مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - الآملي، الشيخ محمد تقى - الصفحة ٤٢٣ - الثاني عشر النية
و داعوية أمر المولى في إرادة العبد عبارة عن محركيته له اما بنفسه أو بعلله أو بمعاليله، و انبعاث العبد نحو إتيان المأمور به عن الأمر نفسه أو عنه بعلّته أو عنه بمعلوله (فالكلام) هيهنا يقع تارة في محركية الأمر بنفسه، و اخرى في محركيته بعلله، و ثالثة في محركيته بمعاليله، فهنا مقامات:
الأول في محركية الأمر بنفسه، و البحث عنها يقع في جهتين الاولى في تصوير محركية الأمر بنفسه، اعلم ان باعثية الأمر بنفسه تنشأ من معرفة العبد بكون الآمر المولى يحب اطاعته، إذ في السؤال عن لمية الشيء يجب الجواب بما لا يحتاج بعده إلى السؤال، و عند السؤال عن العبد عن إتيانه بالمأمور به إذا أجاب بأنه لأمر المولى بإتيانه لا يقف السؤال، بل يصح السؤال عنه بأنه لم دعاك أمر المولى؟ فإذا أجاب بأني عبد و هو مولاي، و حق العبد ان يطيع مولاه- يقف السؤال، إذ لا معنى لان يسئل عنه انك بعد معرفتك أهلية المولى للطاعة لم اطعته؟ بل هذا السؤال يعد لغوا لا جواب له:
و من ذلك يظهر ان دعوة الأمر تنشأ من أهلية آمره للطاعة، فباعثية الأمر بنفسه تنشأ من ناحية أهلية المولى للعبادة، فالداعي (حينئذ) هو كون المولى أهلا للعبادة و الحاجة الى أمره انما هي من جهة صيرورة إتيان ما تعلق به أمره عبادة إذا اتى بداعي امتثال أمره، فينتهي البحث (حينئذ) إلى الجهة الثانية.
و هي ان من الافعال ما يكون بنفس ذاته عبادة، و لا يحتاج في صيرورته عبادة الى الأمر، و لا إلى إتيانه بداعي امتثال امره، و ذلك كالسجود، فإنه بنفسه تعظيم و عبادة، و منها ما يتوقف اتصافه بكونه عبادة على الأمر به و إتيانه بداعي امتثال امره، و ذلك كقراءة القرآن مثلا، ففي القسم الأول لا يحتاج العمل في إتيانه عبادة- لكون المولى أهلا لأن يعبد- الى الأمر به، إذ هو مع قطع النظر عن الأمر به عبادة، و في الثاني يحتاج إتيانه عبادة الى الأمر و إتيانه بداعي أمره، إذ المحرك في إتيانه هو أهلية المولى لان يعبد، و ذلك متوقف على كونه مصداقا للعبادة، إذ لا معنى لأن يأتي العبد بما لا يكون مصداقا للعبادة بداعي كون المولى أهلا للعبادة و المفروض ان صيرورته مصداقا للعبادة يحتاج الى الأمر به لكي يصير إتيانه بداعي الأمر به عبادة.