مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - الآملي، الشيخ محمد تقى - الصفحة ٤٢٥ - الثاني عشر النية
لا تصدق الا بامتثال الأمر، و لا ربط لقصد جهة الأمر و ملاكه في تحقق العبادة أصلا، بل لو أمر المولى بلا ملاك في امره- بل مع المفسدة فيه- و اتى العبد بما امره بقصد اطاعة امره كان عبادة، فوجود الملاك و عدمه، و قصد تحققه في إتيان المحصل له و عدمه كلها أجنبي عما هو دخيل في عبادية العبادة.
و المختار عند الشيخ الأكبر (قده) هو الصحة، بل قال (قده) بان قصد الملاك أدخل في تحقق الطاعة من قصد الأمر نفسه، كما يعلم ذلك من مقايسة حال عبدين علما بعطش المولى مع عدم صدور أمر منه بإحضار الماء فقعد أحدهما عن إحضاره معتذرا بان المولى لم يأمره به، و بادر الأخر بإحضاره لما يعلم من عطش مولاه، فلا محالة يكون الأخير أطوع لمولاه من الأول.
و فيما ذكراه (قدس سرهما) بحيث طويل استوفيناه في مبحث النية في كتاب الصلاة و محصّله في المقام هو صحة الإتيان بالوضوء بداعي ملاك الأمر به، بمعنى انه إذا لم يكن مرتبة المكلف في المعرفة و المحبة لمولاه إلى درجة يتحرك بنفس الأمر لكنه من جهة معرفته بان المولى لا يأمر إلا بملاك في متعلق امره يتحرك عن امره باعتبار علمه بالملاك، و ان كان علمه به بنفس تعلق الأمر و مرجع هذا الى كون الملاك و الأمر المسبب عنه كليهما موجبين لتحريك العبد بحيث لو علم بالملاك من غير ناحية الأمر لما كان يتحرك، و كذلك لو علم بالأمر من غير ان يكشف الأمر عن الملاك لما تحرك نحو العمل، و الحق ان هذا كاف في صحة العمل العبادي، كيف؟ و الا يلزم بطلان عبادة الأكثرين الذين لا ينبعثون نحو العمل بمجرد الأمر به بل انما يحركهم الأمر لعلمهم بسببه بما فيه من المصالح و العلل.
المقام الثالث: فيما إذا كان المحرك هو الأمر بمعاليله و ليعلم ان اختلاف العباد في انبعاثهم عن الأمر نفسه أو عن جهته و ملاكه أو عما يتبعه من معاليله و آثاره ينشأ من تفاوت درجاتهم في المعرفة، الموجب لتفاوت مراتبهم في المحبة، فكلما كانت المعرفة أقوى كانت المحبة الناشئة عنها آكد، و أعلى درجات العبادة هي ما كانت بداعي انه تعالى أهل لأن يعبد، نعم إذا لم يكن العبد في مقام المعرفة و المحبة