البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٤٧ - ١- باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله
فَأُولٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهٰا بِغَيْرِ حِسٰابٍ [١] ،وَ قَالَ: وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَ مَنْ خَفَّتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمٰا كٰانُوا بِآيٰاتِنٰا يَظْلِمُونَ [٢]،فَأَنَّى ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،وَ كَيْفَ لاَ أَشُكُّ فِيمَا تَسْمَعُ].
قَالَ:«هَاتِ-وَيْحَكَ-مَا شَكَكْتَ فِيهِ».قَالَ:وَ أَجِدُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ: قُلْ يَتَوَفّٰاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [٣]،وَ قَالَ: اَللّٰهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهٰا [٤]،وَ قَالَ: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنٰا وَ هُمْ لاٰ يُفَرِّطُونَ [٥]،وَ قَالَ: اَلَّذِينَ تَتَوَفّٰاهُمُ الْمَلاٰئِكَةُ طَيِّبِينَ [٦]،وَ قَالَ: اَلَّذِينَ تَتَوَفّٰاهُمُ الْمَلاٰئِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ [٧]،فَأَنَّى ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،وَ كَيْفَ لاَ أَشُكُّ فِيمَا تَسْمَعُ؟وَ قَدْ هَلَكْتُ إِنْ لَمْ تَرْحَمْنِي،وَ تَشْرَحْ لِي صَدْرِي فِيمَا عَسَى أَنْ يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى يَدَيْكَ،فَإِنْ كَانَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَقّاً،وَ الْكِتَابُ حَقّاً،وَ الرُّسُلُ حَقّاً،فَقَدْ هَلَكْتُ وَ خَسِرْتُ،وَ إِنْ تَكُنِ الرُّسُلُ بَاطِلاً فَمَا عَلَيَّ بَأْسٌ وَ قَدْ نَجَوْتُ.
فَقَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«قُدُّوسٌ رَبُّنَا،تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عُلُوّاً كَبِيراً،نَشْهَدُ أَنَّهُ هُوَ الدَّائِمُ الَّذِي لاَ يَزُولُ،وَ لاَ نَشُكُّ فِيهِ،وَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ،وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ،وَ أَنَّ الْكِتَابَ حَقٌّ،وَ الرُّسُلَ حَقٌّ،وَ أَنَّ الثَّوَابَ وَ الْعِقَابَ حَقٌّ،فَإِنْ رُزِقْتَ زِيَادَةَ إِيمَانٍ أَوْ حُرِمْتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ،إِنْ شَاءَ رَزَقَكَ،وَ إِنْ شَاءَ حَرَمَكَ ذَلِكَ.وَ لَكِنْ سَأُعَلِّمُكَ مَا شَكَكْتَ فِيهِ، وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ،فَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْراً أُعَلِّمُكَ بِعِلْمِهِ وَ ثَبَّتَكَ،وَ إِنْ يَكُنْ شَرّاً ضَلَلْتَ وَ هَلَكْتَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: نَسُوا اللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ [٨]إِنَّمَا يَعْنِي نَسُوا اللَّهَ فِي دَارِ الدُّنْيَا،لَمْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ فَنَسِيَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَيْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ فِي ثَوَابِهِ شَيْئاً فَصَارُوا مَنْسِيِّينَ مِنَ الْخَيْرِ [٩]،وَ كَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: فَالْيَوْمَ نَنْسٰاهُمْ كَمٰا نَسُوا لِقٰاءَ يَوْمِهِمْ هٰذٰا [١٠]يَعْنِي بِالنِّسْيَانِ أَنَّهُ لَمْ يُثِبْهُمْ كَمَا يُثِيبُ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ كَانُوا فِي دَارِ الدُّنْيَا مُطِيعِينَ ذَاكِرِينَ حِينَ آمَنُوا بِهِ وَ بِرُسُلِهِ وَ خَافُوهُ بِالْغَيْبِ.
وَ أَمَّا قَوْلُهُ: وَ مٰا كٰانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [١١]فَإِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عُلُوّاً كَبِيراً لَيْسَ بِالَّذِي يَنْسَى،وَ لاَ يَغْفُلُ،بَلْ هُوَ الْحَفِيظُ الْعَلِيمُ،وَ قَدْ يَقُولُ الْعَرَبُ فِي بَابِ النِّسْيَانِ:قَدْ نَسِيَنَا فُلاَنٌ فَلاَ يَذْكُرُنَا،أَيْ أَنَّهُ لاَ يَأْمُرُ لَهُمْ بِخَيْرٍ وَ لاَ يَذْكُرُهُمْ
[١] المؤمن ٤٠:٤٠.
[٢] الأعراف ٧:٨،٩.
[٣] السجدة ٣٢:١١.
[٤] الزمر ٣٩:٤٢.
[٥] الأنعام ٦:٦١.
[٦] النحل ١٦:٣٢.
[٧] النحل ١٦:٢٨.
[٨] التوبة ٩:٦٧.
[٩] في«ج،ي»:الجنّة.
[١٠] الأعراف ٧:٥١.
[١١] مريم ١٩:٦٤.