البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٤٠ - ١- باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله
انْقَادُوا لِذَلِكَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ الصَّلاَةَ ثُمَّ الصَّوْمَ ثُمَّ الْحَجَّ ثُمَّ الْجِهَادَ ثُمَّ الزَّكَاةَ ثُمَّ الصَّدَقَاتِ،وَ مَا يَجْرِي مَجْرَاهَا مِنَ مَالِ الْفَيْءِ،فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ:هَلْ بَقِيَ لِرَبِّكَ عَلَيْنَا بَعْدَ الَّذِي فَرَضَهُ شَيْءٌ آخَرُ يَفْتَرِضُهُ،فَتَذْكُرَهُ لِتَسْكُنَ أَنْفُسِنَا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ؟فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ يَعْنِي الْوَلاَيَةَ،وَ أَنْزَلَ إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ [١]،وَ لَيْسَ بَيْنَ الْأُمَّةِ خِلاَفٌ أَنَّهُ لَمْ يُؤْتِ الزَّكَاةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَ هُوَ رَاكِعٌ غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ،لَوْ ذُكِرَ اسْمُهُ فِي الْكِتَابِ لَأُسْقِطَ مَعَ مَا أُسْقِطَ مِنْ ذِكْرِهِ،وَ هَذَا وَ مَا أَشْبَهَهُ مِنَ الرُّمُوزِ الَّتِي ذَكَرْتُ لَكَ ثُبُوتَهَا فِي الْكِتَابِ لِيَجْهَلَ مَعْنَاهَا الْمُحَرِّفُونَ فَيَبْلُغَ إِلَيْكَ وَ إِلَى أَمْثَالِكَ،وَ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاٰمَ دِيناً [٢].
وَ أَمَّا قَوْلُهُ لِنَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ [٣]،فَإِنَّكَ تَرَى أَهْلَ الْمِلَلِ الْمُخَالَفَةِ لِلْإِيمَانِ، وَ مَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ،مُقِيمِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ،وَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ لاَهْتَدَوْا جَمِيعاً وَ نَجَوْا مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ،فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَهُ سَبِيلاً [٤]لِإِنْظَارِ أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ،لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ بُعِثُوا بِالتَّصْرِيحِ لاَ بِالتَّعْرِيضِ،وَ كَانَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنْهُمْ إِذَا صَدَعَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ أَجَابَهُ قَوْمُهُ،وَ سَلَّمُوا وَ سَلَّمَ أَهْلُ دَارِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْخَلِيقَةِ،وَ إِنْ خَالَفُوهُ هَلَكُوا وَ هَلَكَ أَهْلُ دَارِهِمْ بِالْآفَةِ الَّتِي كَانَ نَبِيُّهُمْ يَتَوَعَّدُهُمْ بِهَا وَ يُخَوِّفُهُمْ حُلُولَهَا وَ نُزُولَهَا بِسَاحَتِهِمْ مِنْ خَسْفٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ رَجْفٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ زَلْزَلَةٍ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ أَصْنَافِ الْعَذَابِ الَّذِي هَلَكَتْ بِهِ الْأُمَمُ الْخَالِيَةُ،وَ إِنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِنْ نَبِيِّنَا(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ مِنَ الْحُجَجِ فِي الْأَرْضِ الصَّبْرَ عَلَى مَا لَمْ يُطِقْ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الصَّبْرَ عَلَى مِثْلِهِ،فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِالتَّعْرِيضِ لاَ بِالتَّصْرِيحِ،وَ أَثْبَتَ حُجَّةَ اللَّهِ تَعْرِيضاً لاَ تَصْرِيحاً بِقَوْلِهِ فِي وَصِيِّهِ [٥]:مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ [٦]مَوْلاَهُ،وَ هُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي.
وَ لَيْسَ مِنْ خَلِيقَةِ النَّبِيِّ وَ لاَ مِنْ شِيمَتِهِ [٧]أَنْ يَقُولَ قَوْلاً لاَ مَعْنَى لَهُ،فَلَزِمَ الْأُمَّةَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ النُّبُوَّةُ وَ الْخِلاَفَةُ [٨]مَوْجُودَتَيْنِ فِي خِلاَفَةِ هَارُونَ،وَ مَعْدُومَتَيْنِ فِيمَنْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِمَنْزِلَتِهِ أَنَّهُ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى أُمَّتِهِ كَمَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ حَيْثُ قَالَ لَهُ: اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي [٩]،وَ لَوْ قَالَ لَهُمْ:لاَ تَقَلَّدُوا الْإِمَامَةَ إِلاَّ فُلاَناً بِعَيْنِهِ وَ إِلاَّ نَزَلَ بِكُمُ الْعَذَابُ،لَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ،وَ زَالَ بَابُ الْإِنْظَارِ وَ الْإِمْهَالِ.
وَ بِمَا أُمِرَ بِسَدِّ بَابِ الْجَمِيعِ وَ تَرْكِ بَابِهِ،ثُمَّ قَالَ:مَا سَدَدْتُ وَ لاَ تَرَكْتُ،وَ لَكِنِّي أُمِرْتُ فَأَطَعْتُ.فَقَالُوا:سَدَدْتَ
[١] المائدة ٥:٥٥.
[٢] المائدة ٥:٣.
[٣] الأنبياء ٢١:١٠٧.
[٤] في المصدر:سببا.
[٥] في«ج،ي»:وصيّته.
[٦] زاد في المصدر و«ط»:فهذا.
[٧] في«ي»:من سمته،و في«ط»:من شيمة النبوّة،و في المصدر:من النبوّة.
[٨] في«ط»نسخة بدل و المصدر:و الاخوة.
[٩] الأعراف ٧:١٤٢.