البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٢٣ - ١- باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله
إِنِّي كَفَرْتُ بِمٰا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [١] ،وَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ: كَفَرْنٰا بِكُمْ [٢]،يَعْنِي تَبَرَّأْنَا مِنْكُمْ،ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ فِي مَوَاطِنَ أُخَرَ يَبْكُونَ فِيهَا،فَلَوْ أَنَّ تِلْكَ الْأَصْوَاتَ فِيهَا بَدَتْ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لَأَزَالَتْ جَمِيعَ الْخَلْقِ عَنْ مَعَايِشِهِمْ وَ انْصَدَعَتْ قُلُوبُهُمْ إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ،وَ لاَ يَزَالُونَ يَبْكُونَ حَتَّى يَسْتَنْفِدُوا الدُّمُوعَ وَ يُفْضُوا إِلَى الدِّمَاءِ،ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ فِي مَوَاطِنَ أُخَرَ فَيَسْتَنْطِقُونَ فِيهِ،فَيَقُولُونَ: وَ اللّٰهِ رَبِّنٰا مٰا كُنّٰا مُشْرِكِينَ ،وَ هَؤُلاَءِ خَاصَّةً هُمُ الْمُقِرُّونَ فِي دَارِ الدُّنْيَا بِالتَّوْحِيدِ،فَلاَ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ بِاللَّهِ تَعَالَى مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ رُسُلَهُ،وَ شَكِّهِمْ فِيمَا أَتَوْا بِهِ عَنْ رَبِّهِمْ،وَ نَقْضِهِمْ عُهُودَهُمْ فِي أَوْصِيَائِهِمْ،وَ اسْتِبْدَالِهِمْ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ،فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِيمَا انْتَحَلُوهُ مِنَ الْإِيمَانِ، بِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ [٣]،فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ،وَ يَسْتَنْطِقُ الْأَيْدِيَ وَ الْأَرْجُلَ وَ الْجُلُودَ،فَتَشْهَدُ بِكُلِّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ مِنْهُمْ،ثُمَّ يَرْفَعُ عَنْ أَلْسِنَتِهِمْ الْخَتْمَ،فَيَقُولُونَ لِجُلُودِهِمْ: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنٰا قٰالُوا أَنْطَقَنَا اللّٰهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [٤].
ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ،فَيَفِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لِهَوْلِ مَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ صُعُوبَةِ الْأَمْرِ وَ عِظَمِ الْبَلاَءِ،فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ* وَ صٰاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ [٥]الْآيَةَ،ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ يُسْتَنْطَقُ [٦] فِيهِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَ أَصْفِيَاؤُهُ،فَلاَ يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَ قَالَ صَوَاباً،فَيُقَامُ الرُّسُلُ فَيَسْأَلُونَ عَنْ تَأْدِيَةِ الرِّسَالاَتِ الَّتِي حَمَلُوهَا إِلَى أُمَمِهِمْ،فَأَخْبَرُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَدُّوا ذَلِكَ إِلَى أُمَمِهِمْ،وَ تَسْأَلُ الْأُمَمَ فَتَجْحَدُ،كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [٧]،فَيَقُولُونَ:مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَ لاَ نَذِيرٍ،فَتُشْهِدُ الرُّسُلُ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَيَشْهَدُ بِصِدْقِ الرُّسُلِ وَ تَكْذِيبِ مَنْ جَحَدَهَا مِنَ الْأُمَمِ،فَيَقُولُ لِكُلِّ امَّةِ مِنْهُمْ:بَلَى قَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،أَيْ مُقْتَدِرٌ عَلَى شَهَادَةِ جَوَارِحِكُمْ عَلَيْكُمْ بِتَبْلِيغِ الرُّسُلِ إِلَيْكُمْ رِسَالاَتِهِمْ،وَ لِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: فَكَيْفَ إِذٰا جِئْنٰا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنٰا بِكَ عَلىٰ هٰؤُلاٰءِ شَهِيداً [٨]، فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّ شَهَادَتِهِ خَوْفاً مِنْ أَنْ يَخْتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ،وَ أَنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ [٩] بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَ يَشْهَدُ عَلَى مُنَافِقِي قَوْمِهِ وَ أُمَّتِهِ وَ كُفَّارِهِمْ بِإِلْحَادِهِمْ وَ عِنَادِهِمْ،وَ نَقْضِهِمْ عُهُودَهُ [١٠]،وَ تَغْيِيرِهِمْ سُنَّتَهُ،وَ اعْتِدَائِهِمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ،وَ انْقِلاَبِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ،وَ ارْتِدَادِهِمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ،وَ احْتِذَائِهِمْ فِي ذَلِكَ سُنَّةَ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ
[١] إبراهيم ١٤:٢٢.
[٢] الممتحنة ٦٠:٤.
[٣] الأنعام ٦:٢٤.
[٤] فصّلت ٤١:٢١.
[٥] عبس ٨٠:٣٤-٣٦.
[٦] (فيفر بعضهم من بعض...آخر يستنطق)ليس في«ي».
[٧] الأعراف ٧:٦.
[٨] النساء ٤:٤١.
[٩] في«ي»:أرجلهم.
[١٠] في المصدر:عهده.