البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٠ - الفتح آيه ٢-١
الْحَرَمَ وَ قَدْ غَزَتْهُمْ قُرَيْشٌ فِي عُقْرِ دِيَارِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ،أَنَّهُ لاَ يَرْجِعُ مُحَمَّدٌ وَ أَصْحَابُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَبَداً.
فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)الْحُدَيْبِيَةَ خَرَجَتْ قُرَيْشٌ يَحْلِفُونَ بِاللاَّتِ وَ الْعُزَّى لاَ يَدَعُونَ مُحَمَّداً(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يَدْخُلُ مَكَّةَ وَ فِيهِمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ،فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبٍ، وَ لَكِنْ جِئْتُ لِأَقْضِيَ نُسُكِي،وَ أَنْحَرَ بُدْنِي وَ أُخَلِّيَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ لَحْمَاتِهَا.
فَبَعَثُوا إِلَيْهِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ وَ كَانَ عَاقِلاً أَرِيباً [١]،وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: وَ قٰالُوا لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [٢]،فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَظَّمَ ذَلِكَ،وَ قَالَ:يَا مُحَمَّدُ، تَرَكْتُ الْقَوْمَ [٣]،وَ قَدْ ضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ،وَ أَخْرَجُوا الْعُوذَ الْمَطَافِيلَ،يَحْلِفُونَ بِاللاَّتِ وَ الْعُزَّى لاَ يَدَعُوكَ تَدْخُلُ مَكَّةَ،فَإِنَّ مَكَّةَ حَرَمُهُمْ،وَ فِيهِمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ،أَ فَتُرِيدُ أَنْ تُبِيدَ أَهْلَكَ،وَ قَوْمَكَ،يَا مُحَمَّدُ؟فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):مَا جِئْتُ لِحَرْبٍ،وَ إِنَّمَا جِئْتُ لِأَقْضِيَ نُسُكِي،وَ أَنْحَرَ بُدْنِي،وَ أُخَلِّيَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ لَحْمَاتِهَا.فَقَالَ عُرْوَةُ:بِاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ أَحَداً صَدَّ كَمَا صَدَدْتُ.فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمُ،فَقَالَتْ قُرَيْشٌ:وَ اللَّهِ لَئِنْ دَخَلَ مُحَمَّدٌ مَكَّةَ وَ تَسَامَعَتْ بِهِ الْعَرَبُ لَنَذِلَّنَّ وَ لَتَجْتَرِيَنَّ عَلَيْنَا الْعَرَبُ.
فَبَعَثُوا حَفْصَ بْنَ الْأَحْنَفِ وَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو،فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)قَالَ:وَيْحَ قُرَيْشٍ،قَدْ نَهَكَتْهُمُ الْحَرْبُ،أَلاَّ خَلَّوْا بَيْنِي وَ بَيْنَ الْعَرَبِ،فَإِنْ أَكُ صَادِقاً فَإِنَّمَا أَجُرُّ الْمُلْكَ إِلَيْهِمْ مَعَ النُّبُوَّةِ،وَ إِنْ أَكُ كَاذِباً كَفَيْتُهُمْ ذُؤْبَانَ الْعَرَبِ،لاَ يَسْأَلُنِي الْيَوْمَ امْرُؤٌ مِنْ قُرَيْشٍ خُطَّةً لَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا سَخَطٌ إِلاَّ أَجَبْتُهُمْ إِلَيْهِ.
قَالَ:فَوَافَوْا رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فَقَالُوا:يَا مُحَمَّدُ،أَلاَّ تَرْجِعُ عَنَّا عَامَكَ هَذَا،إِلَى أَنْ نَنْظُرَ إِلَى مَاذَا يَصِيرُ أَمْرُكَ وَ أَمْرُ الْعَرَبِ عَلَى أَنْ تَرْجِعَ مِنْ عَامِكَ هَذَا؟فَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَسَامَعَتْ بِمَسِيرِكَ،فَإِنْ دَخَلْتَ بِلاَدَنَا وَ حَرَمَنَا اسْتَذَلَّتْنَا الْعَرَبُ وَ اجْتَرَأَتْ عَلَيْنَا،وَ نُخْلِي لَكَ الْبَيْتَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فِي هَذَا الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى تَقْضِيَ نُسُكَكَ وَ تَنْصَرِفَ عَنَّا.فَأَجَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلَى ذَلِكَ،وَ قَالُوا لَهُ:وَ تَرُدُّ إِلَيْنَا كُلَّ مَنْ جَاءَكَ مِنْ رِجَالِنَا،وَ نَرُدُّ إِلَيْكَ كُلَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْ رِجَالِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مَنْ جَاءَكُمْ مِنْ رِجَالِنَا فَلاَ حَاجَةَ لَنَا فِيهِ،وَ لَكِنْ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ لاَ يُؤْذَوْنَ فِي إِظْهَارِهِمُ الْإِسْلاَمَ،وَ لاَ يُكْرَهُونَ وَ لاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ يَفْعَلُونَهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلاَمِ، فَقَبِلُوا ذَلِكَ،فَلَمَّا أَجَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلَى الصُّلْحِ أَنْكَرَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ،وَ أَشَدُّ مَا كَانَ إِنْكَاراً عُمَرُ [٤].فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ،أَ لَسْنَا عَلَى الْحَقِّ،وَ عَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟فَقَالَ:نَعَمْ.قَالَ:فَنُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟فَقَالَ:إِنَّ اللَّهَ[قَدْ] وَعَدَنِي وَ لَنْ يُخْلِفَنِي.فَقَالَ:لَوْ أَنَّ مَعِي أَرْبَعِينَ رَجُلاً لَخَالَفْتُهُ.
وَ رَجَعَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَ حَفْصُ بْنُ الْأَحْنَفِ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَاهُمْ بِالصُّلْحِ،فَقَالَ عُمَرُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،أَ لَمْ تَقُلْ لَنَا أَنْ نَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَ نَحْلِقَ مَعَ الْمُحَلِّقِينَ؟فَقَالَ:أَ مِنْ عَامِنَا هَذَا وَعَدْتُكَ،وَ قُلْتُ لَكَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ[قَدْ]
[١] في المصدر:لبيبا.
[٢] الزخرف ٤٣:٣١.
[٣] في المصدر:قومك.
[٤] في المصدر:فلان.