البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٨ - الأحقاف آيه ٣٢-٢٢
بلادهم كثيرة الخير خصبة،فحبس اللّه عنهم المطر سبع سنين حتّى أجدبوا،و ذهب خيرهم من بلادهم،و كان هود يقول لهم ما حكى اللّه في سورة هود: اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ،إلى قوله تعالى: وَ لاٰ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [١]فلم يؤمنوا،و عتوا،فأوحى اللّه إلى هود(عليه السلام):أنه يأتيهم العذاب في وقت كذا و كذا رِيحٌ فِيهٰا عَذٰابٌ أَلِيمٌ ،فلما كان ذلك الوقت،نظروا إلى سحابة،قد أقبلت،ففرحوا و قالوا: هٰذٰا عٰارِضٌ مُمْطِرُنٰا الساعة بمطر،فقال لهم هود: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ .في قوله تعالى: فَأْتِنٰا بِمٰا تَعِدُنٰا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّٰادِقِينَ . رِيحٌ فِيهٰا عَذٰابٌ أَلِيمٌ* تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهٰا ،فلفظه عام و معناه خاصّ،لأنّها تركت أشياء كثيرة لم تدمرها،و انما دمرت ما لهم كله،فكان كما قال اللّه تعالى: فَأَصْبَحُوا لاٰ يُرىٰ إِلاّٰ مَسٰاكِنُهُمْ ،و كل هذه الأخبار من هلاك الأمم تخويف و تحذير لأمة محمد(صلّى اللّه عليه و آله).و قوله تعالى: وَ لَقَدْ مَكَّنّٰاهُمْ فِيمٰا إِنْ مَكَّنّٰاكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنٰا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصٰاراً وَ أَفْئِدَةً ،أي قد أعطيناهم فكفروا،فنزل بهم العذاب،فاحذروا أن ينزل بكم ما نزل بهم.ثم خاطب اللّه تعالى قريشا: وَ لَقَدْ أَهْلَكْنٰا مٰا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرىٰ وَ صَرَّفْنَا الْآيٰاتِ ،أي بينا،و هي بلاد عاد و قوم صالح و قوم لوط،ثمّ قال احتجاجا عليهم: فَلَوْ لاٰ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ قُرْبٰاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي بطلوا وَ ذٰلِكَ إِفْكُهُمْ أي كذبهم وَ مٰا كٰانُوا يَفْتَرُونَ .
قال:قوله تعالى: وَ إِذْ صَرَفْنٰا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ،إلى قوله تعالى: فَلَمّٰا قُضِيَ ، أي فُرِغَ وَلَّوْا إِلىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ* قٰالُوا يٰا قَوْمَنٰا إِنّٰا سَمِعْنٰا إلى قوله تعالى: أُولٰئِكَ فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ ،فهذا كله حكاية عن الجن،و كان سبب نزولها أن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)خرج من مكّة إلى سوق عكاظ،و معه زيد بن حارثة،يدعو الناس إلى الإسلام،فلم يجبه أحد،و لم يجد من يقبله،ثمّ رجع إلى مكّة،فلما بلغ موضعا[يقال]له:
وادي مجنة تهجد بالقرآن في جوف الليل،فمر به نفر من الجن،فلما سمعوا قراءة رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)، استمعوا له،فلما سمعوا قراءته،قال بعضهم لبعض: أَنْصِتُوا ،يعني اسكتوا: فَلَمّٰا قُضِيَ ،أي فرغ: وَلَّوْا إِلىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ* قٰالُوا يٰا قَوْمَنٰا إِنّٰا سَمِعْنٰا كِتٰاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسىٰ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ* يٰا قَوْمَنٰا أَجِيبُوا دٰاعِيَ اللّٰهِ وَ آمِنُوا بِهِ ،إلى قوله تعالى: أُولٰئِكَ فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ ،فجاءوا إلى رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)،و أسلموا و آمنوا،و علمهم شرائع الإسلام،فأنزل على نبيه قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [٢]،السورة كلها،فحكى[اللّه]عزّ و جلّ قولهم و ولى عليهم رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)و كانوا يعودون إلى رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)في كل وقت،فأمر رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)أمير المؤمنين(عليه السلام)أن يعلمهم و يفقههم، فمنهم مؤمنون و كافرون و ناصبون،و يهود و نصارى و مجوس،و هم ولد الجان.
٩٩-/٩٧٩٥ _٢- قَالَ: وَ سُئِلَ الْعَالِمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ أَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟فَقَالَ:«لاَ،وَ لَكِنْ لِلَّهِ حَظَائِرُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ،وَ يَكُونَ فِيهَا مُؤْمِنُو الْجِنِّ وَ فُسَّاقُ الشِّيعَةِ».
[١] هود ١١:٥٢.
[٢] الجنّ ٧٢:١.