منتهى المطلب في تحقيق المذهب - العلامة الحلي - الصفحة ٢٢٩
نسخا. و قوله عليه السّلام: (لا تنكح المرأة على عمّتها و خالتها) [١] ليس ناسخا لقوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ [٢] بل هو تخصيص، على انّ الأمّة تلقّته بالقبول: فيخرج عن كونه من الآحاد.
السّادس: لو توضّأ الجنب، لم يجز له الاستيطان في المسجد
، و هو مذهب علمائنا القائلين بالتّحريم، و هو قول أكثر أهل العلم [٣]، خلافا لأحمد، و إسحاق [٤].
لنا: قوله تعالى حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا [٥] جعل الغاية في المنع الاغتسال، فلو جوّزنا له الاستيطان مع الوضوء، خرجت تلك الغاية عن كونها غاية، و ذلك نسخ لا يجوز بخبر الواحد، و لأنّ الجنابة حدث أكبر، فلا يجزي في استباحة الدّخول معها إلى المسجد الوضوء كالحائض، و قد وافقنا أحمد، و إسحاق في حكم الأصل، فيتمّ القياس.
احتجّوا بما رواه زيد بن أسلم، قال: كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يتحدّثون في المسجد على غير وضوء و كان الرّجل يكون جنبا فيتوضّأ، ثمَّ يدخل، فيتحدّث [٦]. و لأنّه إذا توضّأ خفّ حكم الحدث، فأشبه التّيمّم عند عدم الماء. و الدّليل
[١] صحيح البخاري ٧: ١٥، صحيح مسلم ٢: ١٠٢٩ حديث ١٤٠٨، و ص ١٠٣٠ حديث ١٤٠٨، سنن أبي داود ٢: ٢٢٤ حديث ٢٠٦٥، ٢٠٦٦، سنن التّرمذي ٣: ٤٣٢ حديث ١٢٢٥، سنن النّسائي ٦:
٩٨، سنن ابن ماجه ١: ٦٢١ حديث ١٩٢٩، ١٩٣١، مسند أحمد ٢: ١٧٩، ١٨٩، ٢٢٩، ٤٢٣، ٤٨٩، و ج ٣: ٣٣٨. و من طريق الخاصة، انظر:
الكافي ٥: ٤٢٤ حديث ٢، الوسائل ١٤: ٣٧٥ الباب ٣٠ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث ٢.
[٢] النّساء: ٢٤.
[٣] المجموع ٢: ١٦٠، المغني ١: ١٦٨، بداية المجتهد ١: ٤٨، أحكام القرآن للجصّاص ٣: ١٦٨، نيل الأوطار ١: ٢٨٨.
[٤] المغني ١: ١٦٨، الكافي لابن قدامة ١: ٧٤، الإنصاف ١: ٢٤٦، عمدة القارئ ٣: ٢٢٦، منار السّبيل ١: ٣٧، المجموع ٢: ١٦٠، فتح العزيز بهامش المجموع ٢: ١٤٨، تفسير القرطبي ٥: ٢٠٦، نيل الأوطار ١: ٢٨٨.
[٥] النّساء: ٤٣.
[٦] المغني ١: ١٦٨، نيل الأوطار ١: ٢٨٨.
منتهى المطلب في تحقيق المذهب، ج٢، ص: ٢٣٠
على الخفّة أمره بالوضوء عند النّوم، و عند الأكل، و معاودة الوطء.
و الجواب عن الأوّل: بأنّه غير محلّ النّزاع، لأنّ الدّخول غير الاستيطان، فما ذكرتموه لا ينهض في المطلوب، و الحديث لا يستلزمه أيضا، لحصوله مع الاجتياز.
و عن الثّاني: بالمنع من الخفّة، فإنّ الوضوء لا اعتبار له البتّة في رفع شيء من أحكام الجنابة، و النّوم و الأكل و الوطء لا يشترط فيها الطّهارة، ثمَّ انّه ينتقض بمسّ الكتابة و قراءة القرآن.
لا يقال: قد روى الشّيخ في الصّحيح، عن محمّد بن القاسم، قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال: «يتوضّأ و لا بأس أن ينام في المسجد و يمرّ فيه» [١].
لأنّا نقول: هذه الرّواية منافية للمذهب و لظاهر التّنزيل، فلا بدّ فيها من التّأويل، و ذلك بأنّ يحمل الوضوء على التّيمّم مجازا، لاشتراكهما في اسم الطّهارة أو في الاستباحة، و يحمل ذلك على حالة الضّرورة، و مع عدم التّأويل يمكن أن تكون هذه الرّواية حجّة لسلّار [٢].
مسألة: يكره للجنب أشياء:
أحدها: النّوم قبل الوضوء.
و هو مذهب علمائنا أجمع، و هو مرويّ عن عليّ عليه السّلام، و عبد اللّه بن عمر [٣]. و قال ابن المسيّب: ينام و لا يمسّ ماء [٤]، و هو قول أصحاب الرّأي [٥].
لنا: ما رواه الجمهور، قالوا: سأل عمر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أ يرقد أحدنا
[١] التّهذيب ١: ٣٧١ حديث ١١٣٤، الوسائل ١: ٤٨٨ الباب ١٥ من أبواب الجنابة، حديث ١٨.
[٢] المراسم: ٤٢.
[٣] المغني ١: ٢٦١، عمدة القارئ ٣: ٢٤٣، جامع الأصول ٨: ١٩١، المجموع ٢: ١٥٨.
[٤] المغني ١: ٢٦١، المجموع ٢: ١٥٨.
[٥] المغني ١: ٢٦١، المجموع ٢: ١٥٨، عمدة القارئ ٣: ٢٤٣.