التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٥ - الرؤية
وأضاف: «أنّ الآية مدح، ومعلوم أنّ كون الشيء لايرى ليس صفة مدح، لأنّ النفي المحض لايكون مدحا إن لم يتضمّن أمرا ثبوتيا، ولأنّ المعدوم أيضا لايرى، والمعدوم لايمدح، فعلم أنّ مجرّد نفي الرؤية لامدح فيه».[١]
وقد غفل أنّ الإدراك جاء في الآية مقيّدا بالأبصار، وهو من أوضح القرائن على أنّ المراد به «الرؤية بالعين» تجاه تقييده بالقلب، المراد به الدرك النفساني المجرّد، يقال:
أدركته ببصري، ويراد معنى يغاير قولهم: أدركته بقلبي. وهذا كاف مستندا للمستدلّين بالآية على نفي رؤيته تعالى، الأمر الذي لم يتنبّه له شيخ حرّان!
هذا، ونفي الرؤية في الآية جاء معلّلًا بأنّه تعالى «لطيف»، وهو من النفي المتضمّن للإثبات لا النفي المحض، فهو كقوله تعالى: «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ»[٢] لكونه «حيّا قيّوما» وقوله: «وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ»[٣] كناية عن عظم إحاطته تعالى. وأمثال ذلك كثير في القرآن. وهكذا قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ»،[٤] لكونه «لطيفا». كما أنّ قوله: «وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» جاء معلّلًا بكونه «خبيرا».
وهذا من اللطائف الدقيقة التي تضمّنتها الآيات الكريمة، لاتنالها أفهام القشريّين من أهل الحشو.
وهذا الشيخ عدي بنمسافر الأموي (ت ٥٥٧) أحسن تقديسا لمقام الالوهية من هؤلاء المقلّدة السلفيّين، قال: «وإنّه تعالى ليس بجوهر ولاعرض ولاجسم، وإنّه ليس في جهة من الجهات، وليس مستقرّا على مكان وأنّه مرئي بالقلوب والإبصار- بكسر الهمز- ولا تحويه الأقطار والأبصار- بالفتح- ولاتحيط به الجهات، وأنّه واحد فرد صمد، لاثاني معه ولا شيء مثله».
قال: «فهذا هو العلم بذاته، مستو على عرشه بالمعنى الذي أراده تعالى، استواء منزّها
[١] - منهاج السنّة، ط بيروت، ج ٢، ص ٢٤٣- ٢٤٤ و ط مصر، ج ١، ص ٢١٦.
[٢] - البقرة ٢٥٥: ٢.
[٣] - البقرة ٢٥٥: ٢.
[٤] - الأنعام ١٠٣: ٦.