التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٣ - الرؤية
٩- وأمّا قوله: «لا موجود إلّا وجائز أن يريناه اللّه» فلا يعدو سفسطة ومصادرة على المطلوب، إذ لا ملازمة بين مطلق الوجود وإمكان الرؤية، بعد أن لم يثبت ذلك ببرهان، ولا كان ضروري الثبوت في الوجدان.
نعم استدلّ متفلسفوهم ببرهان «السبر والتقسيم»، قالوا: إنّا قاطعون برؤية الأعيان والأعراض، ضرورة أنّا نفرق بالبصر بين جسم وجسم، وعرض وعرض، ولابدّ من علّة مشتركة بين الجسم والعرض لهذا الحكم المشترك بينهما، وهي: إمّا الوجود، أو الحدوث، أو الإمكان، إذ لارابع يشترك بينهما. غير أنّ الحدوث عبارة عن الوجود بعد العدم، والإمكان عبارة عن عدم ضرورة الوجود. والعدم لامدخل له في العلّية، فتعيّن الوجود «وهو مشترك بين الصانع تعالى وغيره من الأجسام والأعراض» إذن جاز رؤيته تعالى لأنّه موجود.[١]
ومغالطة هذا الاستدلال واضحة، إذ العرض بما هو عرض لايقبل تعليق الرؤية به، مالم يقم بجسم، فيرى من حيث كونه جسما. وذلك كالكمّ والكيف والأين والوضع والجدة والإضافة والفعل والانفعال ومتى.[٢] فالأعراض التسعة المشهورة لاتقبل تعلّق إحساس بها في أنفسها. فإنّ العدد بما هو عدد لايُرى وإنّما يُرى المعدود. وهكذا بقية الأعراض.
إذن فالذي يُرى هو الجسم. والعلّة هي الجسمية، المفقودة في ذاته المقدّسة.
وأمّا قياس الأشعري الرؤية بالعلم فهو قياس مع الفارق ولا جامع بينهما. مضافا إلى أنّ الاستدلال بالوجود والعلم على جواز الرؤية باطل في نفسه، بعد أن نجد في بداهة العقل أشياء لها وجود، كالعلم والعقل والإرادة والكراهة والحبّ والبغض،[٣] هي موجودة ومعلومة ولكن لا تصحّ رؤيتها لأنّها ليست أجساما، وما ليس جسما لايمكن تحقّق التقابل بينه وبين نظر الرائي، وهو شرط في تحقّق الرؤية.
[١] - شرح العقائد النسفية، ص ٥٦.
[٢] - تجريد الاعتقاد لابن المطهّر الحلّي قدس سره، ص ١٠٧.
[٣] - راجع: شرح الاصول الخمسة، ص ٢٧٤.