التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٥ - الرؤية
فقد جاءت تبعة تلك المسألة العظيمة موجّهة إلى بنيإسرائيل، فكانوا هم الذين طلبوا من موسى عليه السلام أن يريهم اللّه جهرة، فأحرجوه إلى أن يسأل ربّه فيما طلبوا.
وأصرح منها قوله تعالى في سورة البقرة: «وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ».[١] وهذا يؤكّد ما جاء في الرواية: إنّ الّذين سألوه هذا السؤال كانوا السبعين الذين اختارهم لميقاته تعالى فأخذتهم الرجفة لهيبة ما نزل بهم من صاعقة النكال، فجعل بعضهم ينظر إلى بعض وهم يتهافتون على الأرض، ثمّ بعثهم اللّه، بعد التضرّع والتذلّل من موسى عليه السلام قال تعالى: «وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ، أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا»[٢] أي بما فعل السّفهاء منّا من التجاسر على سؤال الرؤية. فإضافة ذلك إلى السفهاء تدلّ على أنّه كان بسببهم ومن أجلهم، وإنّما سألوا ما لايجوز عليه.[٣]
وأمّا قوله: «سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» فإنّما هو تعليم لقومه كما في قوله تعالى: «وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ».[٤] ومن ثمّ جاء في موضع آخر: «أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ. وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ».[٥] فكما إنّ السؤال كان عن قومه، كانت التوبة- أيضا- استغفارا لقومه.
وقد حمل بعضهم الرؤية في سؤال موسى عليه السلام على العلم الضروري الذي لا حاجة معه إلى إقامة برهان، وهذا هو جواب أبي الهذيل العلاف المعتزلي، واختاره وأيّده سيدنا الطباطبائي قدس سره.[٦] لكن القاضي عبدالجبار، وكذا الشريف المرتضى، لم يرتضياه، أمّا
[١] - البقرة ٥٥: ٢.
[٢] - الأعراف ١٥٥: ٧.
[٣] - راجع في ذلك: أمالي الشريف المرتضى، ج ٢، ص ٢١٥، مجلس ٧٠؛ ومتشابه القرآن ومختلفه لابن شهرآشوب، ج ١، ص ٩٦؛ وقصص الأنبياء للنجار، ص ٢٩٢؛ وشرح الاصول الخمسة، ص ٢٦٢. ومتشابه القرآن للقاضي، ج ١، ص ٢٩١.
[٤] - يس ٢٢: ٣٦- ٢٥.
[٥] - الأعراف ١٥٥: ٧- ١٥٦.
[٦] - الميزان في تفسير القرآن، ج ٨، ص ٢٥٢.