التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٤ - الرؤية
ومتوقّعة لإحسانهم إليها. وقال: قولهم: أنا أنظر إلى اللّه ثمّ إليك، معناه: أتوقّع فضل اللّه ثمّ فضلك.[١]
قال الإمام الرازي في قول الشاعر:
|
وجوه ناظرات يوم بدر |
إلى الرحمان تنتظر الفلاحا |
|
إنّ الرواية الصحيحة: يوم بكر. والمراد من هذا الرحمان مسيلمة الكذاب.[٢] قلت:
فليكن، بعد أن لم يكن النظر هنا هو تحديق العين بل الرجاء وتوقّع الفرج، سواء أكان هو رحمان العالمين أم رحمان اليمامة.
فمعنى الآية- على هذا- أنّ المؤمنين يوم القيامة في بهجة وسرور، لأنّهم لا يتوقّعون النعمة والكرامة إلّا من عند ربّهم، وقد تحقّقت أمانيّهم بعين شهود.
٢- وهكذا قوله تعالى- حكاية عن سؤال موسى عليه السلام-: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ»[٣] لايدلّ على جواز الرؤية. لأنّ سؤاله ذلككان من تجاهل العارف، على أثر ضغط من قومه الجاهلين، فقد جاء في التفسير: أنّ قومه أبوا أن يصدّقوه إلّا أن يسمعهم كلام الربّ تعالى، فاختار منهم سبعين ليصحبوه إلى الميقات، فلمّا كلّمه اللّه تعالى وأسمعهم أيضا، أبوا إلّا أن ينظروا إليه يتكلّم فيرونه جهارا، وبذلك أحرجوا من موقف نبي اللّه موسى عليه السلام تجاه ربّه ومسؤولية رسالته إلى بني إسرائيل. روي أنّه عليه السلام لم يستطع التفوّه بتلك العظيمة- لمكان علمه باستحالتها- غير أنّ موقفه ذاك قد أحرجه، فقال: ياربّ إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل، وأنت أعلم بصلاحهم. فأوحى اللّه إليه: يا موسى، سلني ما سألوك، فلا أُؤاخذك بجهلهم. فعند ذلك تجرّأ موسى عليه السلام على إبداء تلك المسألة.
ودليلًا على ذلك ما جاء في سورة النساء: «يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ».[٤]
[١] - راجع: الكشاف، ج ٤، ص ٦٦٢؛ وأساس البلاغة، ج ٢، ص ٤٥٦.
[٢] - التفسير الكبير، ج ٣٠، ص ٢٢٩.
[٣] - الأعراف ١٤٣: ٧.
[٤] - النساء ١٥٣: ٤.