التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٨ - الرؤية
٢- وتشبّث- أيضا- بقوله تعالى: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ»[١] قال: دلّت الآية على أنّ اللّه تعالى يُرى بالأبصار، إذ لايجوز أن يكون موسى عليه السلام قد سأل ربّه ما يستحيل عليه، وقد ألبسه اللّه جلباب النبوّة وعصمه بعصمة المرسلين. وإذا لم يجز ذلك على موسى عليه السلام فقد علمنا أنّه لم يسأل ربّه مستحيلًا، وأنّ الرؤية جائزة على ربّنا عزّوجلّ.
٣- قال: ودليل آخر ممّا يدلّ على جواز رؤية اللّه بالأبصار، قوله تعالى لموسى: «فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي».[٢] فلمّا كان اللّه قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا، كان قادرا على الأمر الّذي لو فعله لرآه موسى. فدلّ ذلك على أنّ اللّه تعالى قادر على أن يُري نفسه، وأنّه جائز رؤيته. فإن قال قائل: فلم لا قلتم أنّ هذه الآية تبعيد للرؤية؟، قيل له: لو أراد اللّه تبعيد الرؤية، لقرن الكلام بما يتسحيل وقوعه، ولم يقرنه بما يجوز وقوعه، فلمّا قرنه باستقرار الجبل، وذلك أمر مقدور للّه عزّوجلّ، دلّ ذلك على أنّه جائز أن يرى اللّه. ألاترى أنّ الخنساء لمّا أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا مع أخيها، قرنت الكلام بمستحيل، فقالت:
|
ولا اصالح قوما كنت حربهم |
حتّى تعود بياضا حلكة القار[٣] |
|
قال: واللّه تعالى إنّما خاطب العرب بلغتها، وما نجده مفهوما في كلامها ومعقولًا في خطابها، فلمّا قرن الرؤية بأمر مقدور جائز، علمنا أنّ رؤية اللّه بالأبصار جائزة غير مستحيلة.
٤- قال: ودليل آخر، قال تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ»[٤] قال أهل التأويل:
الزيادة الموعودة هنا هو النظر إليه تعالى، قالوا: ولم ينعم اللّه عزّوجلّ أهل جنانه بأفضل من نظرهم إليه.[٥]
[١] - الأعراف ١٤٣: ٧.
[٢] - الأعراف ١٤٣: ٧.
[٣] - الحلكة: شدّة السواد. والقار: القير.
[٤] - يونس ٢٦: ١٠.
[٥] - قال ابنكثير: وأفضل ما ينعم به أهل الجنّة وأعلاه هو النظر إلى وجهه الكريم، وقد روي ذلك عن أبيبكر الصدّيق، وحذيفة بناليمان، وعبداللّه بنالعباس، وسعيد بنالمسيب وعبدالرحمان بن أبيليلى، وعبدالرحمان بنسابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بنسعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدّي، ومحمد بنإسحاق، وغيرهم من السلف والخلف. وقد وردت فيه أحاديث كثيرة. التفسير، ج ٢، ص ٤١٤؛ وراجع: جامع البيان، ج ١١، ص ٧٣- ٧٥. وغيره من أصحاب التفسير بالمأثور. وهكذا أرباب التفسير الصوفي كالقشيري في« لطائف الإشارات»، ج ٣، ص ٩١. والخواجا عبداللّه الأنصاري في تفسيره العرفاني. راجع: ملخّصه للإمام أحمد الميبدي تفسير أدبي وعرفاني قرآن مجيد، ج ١، ص ٤٢٩. يقول الخواجا:« و شرط است كه ميزبان ديدار خود را از مهمانان باز نگيرد».