التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٥ - صفات تنزيه
صفاتُ تنزيهٍ
كان ما سبق صفات ثبوتية، وتسمّى «صفات جمال»، وفي قبالها صفات سلبية، تسمّى «صفات جلال»، وهي التي تجل ذاته المقدّسة عن الاتصاف بها، واتّفق أهل العدل على تنزيهه تعالى عنها.
أمّا أهل التجسيم فزعموا من ذاته المقدّسة جسما متركبا من أعضاء وجوارح، وأثبتوا له الجهة والمكان والحركة، وإمكان رؤيته بالأبصار، ومسّه بالأيدي في مصافحة ومعانقة. قالوا: إنّه متربّع على كرسيّ عرشه فوق السماوات، وسوف ينزل إلى الملاء يوم القيامة ليراه المؤمنون بعيونهم، ويكشف عن ساقه ويضع رجله في جهنّم فتقول: ياربّ، قط قط.
هذا قول أوائلهم، وقد شُنِّع عليهم هذا القول، فقالوا: إنّه جسم لا كالأجسام، وله لحم لا كاللحوم، ودم لا كالدماء ... الخ.
وقد تقدّم كلامهم عند الكلام عن المجسّمة.
ولا كلام لنا معهم الآن، وقد انقطع دابرهم، ولم يبق منهم سوى نقل آثار. إنّما الكلام مع الأشعري الذي لم يبتعد عن القول بالتجسيم كثيرا، سوى أنّه قال بمقالتهم في شيء من اللفِّ والالتواء، وصريح كلامه- في الإبانة والمقالات- هو الالتزام بالتجسيم، أخذا بظواهر آيات وروايات. وقد بقيت آراؤه سائدة حتى هذا العهد. لاسيّما في أوساط مرتجعة لم تنضج فكرتهم عن التوحيد والنبوّات، سوى نظرات سطحية وشكلية محضة وغالبيتهم من المتأثّرين بتعاليم ابنتيمية الحرّاني (٦٦١- ٧٢٨)[١] في دعوته السلفيّة
[١] - له ثرثرة غريبة فيما يكتبه. راجع كلامه المسهب في إثبات الرؤية، وردّه على من تمسّك لنفي الرؤية بقوله تعالى:« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ». وكذلك إثبات الجهة والفوقية، تعالى اللّه عن ذلك. منهاج السنّة، تحقيق محمّد رشاد، ج ١، ص ٢١٥ و ٢١٦.
ولابن بطوطة حكاية غريبة في رحلته ج ١، ص ٥٧ عندما حلّ بدمشق، يقول: وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقيّالدين ابنتيمية كبير الشام، يتكلّم في الفنون، إلّا أنّ في عقله شيئا. وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، ويعظهم على المنبر وتكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلّم شرفالدين الزواوي المالكي، وقال: إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا، وعدّد ما أنكر على ابنتيمية، وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة. وقال قاضي القضاة لابنتيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلّا اللّه. فأعاد عليه، فأجاب بمثل قوله. فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعواما. وصنّف في السجن كتابا في تفسير القرآن، سمّاه البحر المحيط في نحو أربعين مجلّدا. ثمّ إنّ امّه تعرّضت للملك الناصر وشكت إليه، فأمر بإطلاقه. إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع، ويذكّرهم. فكان من جملة كلامه أن قال:« إنّ اللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا» ونزل درجة من درج المنبر. فعارضه فقيه مالكي يعرف بابنالزهراء وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضربا كثيرا حتّى سقطت عمامته، وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها، واحتملوه إلى دار عزّالدين بنمسلم قاضي الحنابلة فأمر بسجنه وعزّره بعد ذلك. فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره، ورفعوا الأمر إلى ملك الامراء سيفالدين تنكيز، وكان من خيار الامراء وصلحائهم، فكتب إلى الملك الناصر بذلك وكتب عقدا شرعيا على ابنتيمية بامور منكرة، منها: المسافر الذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف لايقصر الصلاة، وأشباه ذلك. وبعث العقد إلى الملك الناصر فأمر بسجن ابنتيمية بالقلعة، فسجن بها حتى مات في السجن.