التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٤ - صفات فعل
متكلّم بكلام هو قائم بذاته تعالى، مريد بإرادة أزلية قائمة بذاته. ومن ثمّ زعم أنّ كلامه تعالى قديم، لأنّ القائم بذات قديمة قديم.
قال أهل العدل والتنزيه: معنى أنّه تعالى يتكلّم: أنّه يخلق الكلام المسموع، وهي عبارة عن اهتزازات وذبذبات تحدث في أمواج الهواء يخلقها اللّه تعالى عند إرادة الكلام، وأمّا غيره فيتكلّم بآلة، وإنّ ذاك التموّج يحصل بقرع اللسان والأسنان. قالوا: وإرادته تعالى هو فعله، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها. ومن ثمّ قالت المعتزلة: كلام اللّه مخلوق وقالت الأشاعرة: غير مخلوق، فكان ذلك الجدل العنيف، وقد ذهبت في طيّه نفوس.
استدلّت الأشاعرة بأنّها صفات اشتقاق، فلابدّ من إثبات مباديها للذّات، كما إذا وصفنا بها بعضنا. قال التفتازاني: «ضرورة امتناع إثبات المشتقّ للشيء من غير قيام مأخذ الاشتقاق به».[١]
وتشبّث الأشعري بقوله تعالى: «وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً»[٢]- قال: والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولايجوز أن يكون كلام المتكلّم حالًاّ في غيره، مخلوقا في شيء سواه، كما لايجوز ذلك في العلم.[٣]
وبقوله تعالى: «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ»،[٤] دلّت الآية على أنّ الأمر شيء غير الخلق. ثمّ قال تعالى: «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ»[٥] قال: وأمر اللّه- هنا- هو كلامه تعالى. وبما أنّ الأمر غير مخلوق- كما في الآية الاولى- فوجب أن يكون كلامه الذي هو أمره غير مخلوق.[٦]
وبذلك أثبت قدم كلامه تعالى وقيامه بذاته المقدّسة.
وأظنّنا في غنى عن تفنيد هذا الاستدلال المزيّف بعد أن كان أشبه بسفاسف الكلام.
[١] - المصدر، ص ٤٤.
[٢] - النساء ١٦٤: ٤.
[٣] - الإبانة، ص ٤٧.
[٤] - الأعراف ٥٤: ٧.
[٥] - الروم ٢٥: ٣٠.
[٦] - الإبانة، ص ٤١.