التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٩ - الإمامية
ولا ينهى عمّا يريد، وأنّه خلق الخلق لمصلحتهم، وكلّفهم لأجل منازل منفعتهم، وأزاح في التكليف عللهم، وفعل أصلح الأشياء بهم، وأنّه أقدرهم قبل التكليف، وأوجد لهم العقل والتمييز، وأنّ القدرة تصلح أن يفعل بها الشيء وضدّه بدلًا منه».
«وأنّ القرآن كلام ربّ العالمين، وأنّه محدث ليس بقديم، ويجب أن يعتقد أنّ جميع مافيه من الآيات التي يتضمّن ظاهرها تشبيه اللّه تعالى بخلقه، وأنّه يجبرهم على طاعته أو معصيته، أو يضلّ بعضهم عن طريق هدايته، فإنّ ذلك كلّه لايجوز حمله على ظاهره، وأنّ له تأويلًا يلائم ما تشهد به العقول، ممّا قدّمنا من صفاته تعالى».[١]
قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده،[٢] وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه،[٣] لشهادة كلّ صفة[٤] أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وَصَفَ اللّه سبحانه[٥] فقد قَرَنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله،[٦] ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه[٧] ومن حدّه فقد عدّه[٨] ومن قال:
فيم؟ فقد ضمَّنه، ومن قال: علام؟ فقد أخلى منه،[٩] كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم،[١٠] مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة،[١١] فاعل لا بمعنى الحركات
[١] - كنز الفوائد، ص ١٠٩- ١١١.
[٢] - يعني عليه السلام توحيد ذاته المقدّسة عن التجزئة والتأليف.
[٣] - يعني عليه السلام بنفي الصفات، نفي مباديها، فذاته المقدّسة إذا وصف بعالم، فلا يعني هذا الوصف أنّ مبدأ العلم قائم بذاته كما في المخلوقين، فهو تعالى عالم بذاته لابعلم كما تقول الأشعرية، حيّ بذاته لا بحياة، قادر بذاته لا بقدرة. فهذه المبادئ من العلم والحياة والقدرة التي هي صفات زائدة على الذات، منفيّة عن ذاته تعالى وتقدّس.
[٤] - وهي الصفة الزائدة على الذات، التي هي مبدأ اشتقاق الوصف.
[٥] - أي قال: إنّه تعالى عالم بعلم، وحيّ بحياة، وقادر بقدرة.
[٦] - لانّه زعم أنّ الواجب القديم مركّب، وهو جهل فاضح بذاته المقدّسة المتنزّهة عن التركيب المستلزم للحدوث والفناء.
[٧] - لأنّ الإشارة تستدعي الجهة، وهو تعالى منزّه عن الحدود والجهات.
[٨] - لأنّ القول بالجهة في ذاته المقدّسة لا ينفي إمكان تعدّده تعالى.
[٩] - لأنّ القول بجهة فوق يستدعي الإخلاء عن سائر الجهات.
[١٠] - إشارة إلى قِدَمِه تعالى.
[١١] - لأنّ المقارنة والمزايلة تستدعيان الجهة، وهو تعالى منزّه عنها، فلا يخلو منه مكان ولايحويه مكان.