التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٤ - القدرية
قال أبوالفتح محمد بنعلي الكراجكي: «لم نجد في أسماء الفرق ما ينكره أصحابه ويتبرّأ منه أهله، سوى القدرية. فأهل العدل- يعني بهم فرقة الاعتزال- يقولون لأهل الجبر- يعني بهم الأشاعرة-: أنتم القدرية، وأهل الجبر يقولون لأهل العدل: أنتم القدرية. وإنّما تبرّأ الجميع من ذلك، لأنّهم رووا- من طريق أبيهريرة- عن النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه لعن القدرية، وقال: إنّهم مجوس هذه الأُمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم».[١]
قلت: أمّا الحديث فمفتعل بلاريب. قال أبوحاتم: «وهذا الحديث باطل». وقال النسائي: «هذا الحديث باطل كذب». ويذكر ابنالجوزي حديث لعن القدرية، ثمّ يعقّب:
«هذا حديث لاشكّ في وضعه».[٢]
أمّا استدلال الأشعري فلا يعدو مغالطة مفضوحة، إذ «القدرية» نسبة إلى القول بالقدر- بفتحتين- كالجبرية نسبة إلى القول بالجبر، وليس اشتقاقا من القدرة بمعنى الاستطاعة.
هذا فضلًا عن أنّ القياس بالصائغ، قياس مع الفارق بعد أن كانت الكلمة المبحوث عنها «قدرية»- بياء نسبة- لا «قادر» اسم فاعل.
وعليه فلو صحّ الحديث- ولم يصحّ- كان انطباقه على مذهب الأشعري، القائل بالقدر. وسلب قدرة العباد، أولى من انطباقه على مذهب الاعتزال، القائل باستقلال العباد في اختياراتهم للأفعال. فالقدرية- على ذلك- هم الجبرية من غير فرق.
وكذلك أذنابهم من الفرق المتأخّرة كالتيميّة والوهّابية، على ما سنرمز إليهم في الفصل القادم على الهامش.
وإذ قد تبيّنا المذاهب التي عملت في تشويه مفاهيم الإسلام، وكانت السبَبَ الأوّل في طروء التشابه على كثير من أوجه آي القرآن الحكيم، يجدر بنا التعرّض لمذهب الاعتزال- أيضا- الذي انتهج- إلى حدّما- منهج العقل وتحكيم الفطرة في درس القضايا
[١] - كنز الفوائد للكراجكي، ص ٤٩.
[٢] - راجع: الموضوعات لابنالجوزي، ج ١، ص ٢٧٥- ٢٧٦. وجاء في مسند أحمد وغيره ما يناقض الحديث المذكور. فقد روى ابنعمر عن النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه قال:« لكلّ امّة مجوس، ومجوس امّتي الذين يقولون: لاقدر. إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». المسند، ج ٢، ص ٨٦.