التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١ - الجبرية
تلك مقالة الأشعري الصريحة في الجبر، يرى من علمه تعالى بوقوع الأشياء سببا حتميّا للوقوع، ويكون العبد مرغما في فعل ما علم اللّه أنّه يفعله. وزاد: أنّ العبد لاقدرة له على فعل، إلّا إذا كان اللّه قد أراد ذلك الفعل، فالعبد في أفعاله تابع لإرادة اللّه ومشيئته الخاصّة، «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ».[١]
وهكذا زعم أنّ الكافر مجبر على الكفر، لايستطيع الإقلاع عنه، قال- في مسألة «الاستطاعة»-: «ويقال لهم- أي للقدرية، ويريد بهم المعتزلة-: أليست استطاعة الإيمان نعمة من اللّه وفضلًا وإحسانا؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون توفيقا وتسديدا؟ فلابدّ من الإجابة إلى ذلك، يقال لهم: فإذا كان الكافرون قادرين على الإيمان، فما أنكرتم أن يكونوا موفّقين للإيمان، ولو كانوا موفّقين مسدّدين لكانوا ممدوحين، وإذا لم يجز ذلك لم يجز أن يكونوا على الإيمان قادرين ووجب أن يكون اللّه- عزّوجلّ- اختص بالقدرة على إيمان المؤمنين».
وقال- في نهاية المسألة-: وإن سألوا عن قول اللّه عزّوجلّ: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»[٢] فالجواب عن ذلك: إنّ اللّه عزّوجلّ إنّما عنى المؤمنين، دون الكافرين، لأنّه أخبر أنّه ذرأ لجهنم كثيرا من خلقه، فالذين خلقهم لجهنّم وأحصاهم وعدّهم، وكتب بأسمائهم وأسماء آبائهم وأُمهاتهم، غير الذين خلقهم لعبادته».[٣]
وبمثل ذلك قال في مسألة «الهداية والضلال» وغيرها من مسائل تكشف عن جزمه بمسألة الجبر في التكليف والإيمان والكفر، وسلب قدرة العباد عمّا قدّر اللّه لهم في الأزل، ثمّ يذكر روايات في القدر يعتمدها في تشييد مذهبه في نفي الاستطاعة.[٤]
*** وقد زعم بعضهم أنّ عويصة «مسألة الكسب» لا يمكن حلّها إلّا بالكشف الصوفي،
[١] - الإنسان ٣٠: ٧٦.
[٢] - الذاريات ٥٦: ٥١.
[٣] - الإبانة: ص ١٠٩- ١١٣. وراجع: ص ١١٧ و ١٢٠ فما بعد.
[٤] - المصدر، ص ١٢٣- ١٣٨.