التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - الجبرية
حسنها وقبيحها، والعبد مكتسب لها». قال الشهرستاني: «أثبت النجّار للقدرة الحادثة- أي قدرة العبد، تجاه قدرة اللّه القديمة- تأثيرا. وسمّى ذلك كسبا، على حسب مايثبته الأشعري».[١]
وهذا هو مذهب الأشعري بالذات، أثبت للعبد اكتسابا تجاه من أثبت له الاختيار والقدرة المستقلّة. ولم يفصح عن مذهبه هذا ما يكون حدّا فاصلًا بين الجبر والاختيار، ومن ثمّ حار أتباعه في تفسير «الكسب» بوجه مقنع. وقد وجّه القاضي عبدالجبار سؤاله إلى القائلين بالكسب: «عقّلونا معنى الكسب وخبّرونا عنه. فإن اشتغلوا بالتحديد، قلنا:
الشيء يعقل أوّلًا ثمّ يحد. ثمّ يقال لهم: وما هو الذي حدّدتم به الكسب؟ فإن قالوا: ماوقع بقدرة محدثة، قلنا: ما تعنون بقولكم: ماوقع بقدرة محدثة؟ فإن أردتم به ما حدث، فهو الذي نقوله، وإن أردتم به ما وقع كسبا، فعن الكسب سألناكم، فكيف تفسّرونه بنفسه، وهل هذا إلّا إحالة بالمجهول على المجهول؟».[٢]
قال سعدالدين مسعود بنعمر التفتازاني- بصدد توضيح الكسب-: فإن قيل: لا معنى لكون العبد فاعلًا بالاختيار، إلّا كونه موجدا لأفعاله بالقصد والإرادة، وقد سبق أنّ اللّه تعالى مستقلّ بخلق الأفعال وإيجادها، ومعلوم أنّ المقدور الواحد لايدخل تحت قدرتين مستقلّتين، قلنا: لا كلام في قوّة هذا الكلام ومتانته، إلّا أنّه لمّا ثبت بالبرهان أنّ الخالق هو اللّه تعالى، وبالضرورة أنّ لقدرة العبد وإرادته مدخلًا في بعض الأفعال كحركة البطش، دون البعض كحركة الارتعاش، احتجنا في التفصّي عن هذا المضيق إلى القول بأنّ اللّه خالق، والعبد كاسب. وتحقيقه: إنّ صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسبٌ، وإيجاد اللّه تعالى الفعل عقيب ذلك خلقٌ، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور اللّه تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور العبد بجهة الكسب، وهذا القدر من المعنى ضروري، وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن
[١] - الملل والنحل للشهرستانى، ج ١، ص ٨٩.
[٢] - شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبدالجبار، ص ٣٦٦- ٣٦٧.