التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٩ - خاتم النبيين
والغفلة في هذه الآية هو الضلال في سائر الآيات، وهو عدم المعرفة بالشيء ذاتيا.
ولعلّ في التعبير بالغفلة مناسبة مع المبدأ القائل بأنّ العلم تذكّر، فتنبّه!
*- ومنها قوله تعالى: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ، وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً».[١]
ما هذا الذنب الذي تشير إليه الآية الكريمة؟
قلنا: إنّ من شأن كلّ قائم بإصلاح، وخارج على مساوي عادات قوم هي مألوفة عندهم، أن يعرض بنفسه لتعييرهم والتشنيع به، ويرون من عمله ذلك خطيئة كبيرة خالف بها مقوّمات وجودهم الموروثة عبر الأجيال، فكأنّه يحاول تحطيم كيانهم والانهيار بقوميّتهم، ولاسيّما الكبراء زعماء القوم، يخشون على مصالحهم في البلاد، فينظرون إليه كمذنب عارم وقيح.
لكنّه ريثما يتغلّب على الموانع ويرفع الحواجز عن طريقه ويبلغ قمّة الفوز والنجاح، وتزدهر معالم اصلاحاته العامّة إذا هم يستبشرون به كفاتح عظيم ومبشّر بسعادة الأجيال. فتنقلب سيّئاته حسنات، وتغفر جميع ذنوبه التي كانوا يرونها ذنوبا، بعد مالمسوا من حقيقة قيامه الإصلاحي وإخلاصه في نهضته منذ البدء.
قال الإمام أبوالحسن علي بنموسى الرضا عليه السلام: «لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسولاللّه صلى الله عليه و آله لأنّهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة وستين صنما، فلمّا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص، كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا: «أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً- إلى قوله- إِلَّا اخْتِلاقٌ».[٢] فلمّا فتح اللّه تعالى على نبيّه صلى الله عليه و آله مكة، قال تعالى:
يامحمّد، «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ»، عند مشركي أهل مكة، بدعائك إلى توحيد اللّه فيما تقدّم وما تأخّر، لأنّ مشركي مكة أسلم بعضهم، وخرج بعضهم من مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه، إذا دعا الناس
[١] - الفتح ١: ٤٨- ٢.
[٢] - ص ٥: ٣٨- ٧.