التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٦ - خاتم النبيين
يعرفه. فليس هذا مشبها لأخلاقه صلى الله عليه و آله الواسعة، وتحنّنه على قومه وتعطّفه.
وكيف يقول: وما عليك أن لايزّكّى!؟ وهو صلى الله عليه و آله مبعوث للدعاء والتنبيه وكيف لايكون ذلك عليه، وكان هذا القول إغراء بترك الحرص على إيمان قومه.
وقد قيل: إنّ هذه السورة نزلت في رجل من أصحاب رسولاللّه صلى الله عليه و آله كان منه هذا الفعل المنعوت فيها. ونحن إن شككنا في عين من نزلت فيه[١] فلاينبغي أنّ نشكّ في أنّها لم يعن بها النبيّ صلى الله عليه و آله.
وأيّ تنفير أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين، والتلهّي عنهم. والإقبال على الأغنياء الكافرين، والتصدّي لهم. وقد نزّه اللّه تعالى النبيّ صلى الله عليه و آله عمّا دون هذا في التنفير بكثير».[٢]
وقال سيّدنا الطباطبائي قدس سره: «وقد عظّم اللّه خُلُق النبيّ صلى الله عليه و آله إذ قال: «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»، في سورة القلم النازلة في بدء البعثة، لأنّها نزلت بعد سورة العلق باتفاق روايات الترتيب. فكيف يعقل أن يعظّم اللّه خُلُق نبيّه في بدء بعثته بصورة مطلقة، ثمّ يعود فيعاتبه بالعبوس في وجه الفقراء والتصدّي للأغنياء؟!
وقد أمره تعالى بخفض الجناح للمؤمنين «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ»[٣] كما أمره بالإعراض عن المشركين «وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» أيضا في الحجر[٤] فكيف يخالف صلى الله عليه و آله أمر ربّه في الموضعين. وقد قال تعالى: «و لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ»؟![٥]
على أنّ تفضيل الغنيّ على الفقير، لا لشيء سوى أنّ ذاك ذوجاه وهذا حقير، قبيح عقلًا، فضلًا عمّا إذا كان صاحب الغنيّ جاهلًا، وكان الفقير صاحب كمال. الأمر الذي
[١] - عن الصادق عليه السلام:« نزلت في رجل من أثرياء بنياميّة كان عند النبيّ صلى الله عليه و آله فجاء ابن امّمكتوم، فلمّا رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه فحكى اللّه سبحانه ذلك وأنكره عليه». مجمع البيان، ج ١٠، ص ٤٣٧.
[٢] - تنزيه الأنبياء، ص ١١٩؛ وراجع أيضا: الهدى إلى دين المصطفى، ج ١، ص ١٥٧- ١٥٨.
[٣] - الحجر ٨٨: ١٥.
[٤] - الحجر ٩٤: ١٥.
[٥] - الحجر ٨٨: ١٥.