التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٥ - خاتم النبيين
كثيرة، كلّها نزلت تعريضا بغيره صلى الله عليه و آله من غير أن يكون هو مقصودا بالذات. من باب «إيّاك أعني واسمعي ياجارة». كما في قوله تعالى: «وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ».[١] وغيرها من آيات هي نظائر، كلّها ترمي غيره صلى الله عليه و آله. ومن ثمّ حملها بعضهم على إرادة الخطاب مع كلّ سامع أو قارئ، أي أيّها السامع لهذا الخطاب أو أيّها القارئ لهذا الكلام أو أيّها الإنسان بصورة عامّة.[٢]
*- ومنها قوله تعالى: «عَبَسَ وَ تَوَلَّى. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى. وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَ ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى. وَ هُوَ يَخْشى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى».[٣]
رووا بشأن النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه كان يتكلّم مع عظماء قريش إذ جاء ابن امّ مكتوم- وهو فقير أعمى- يسترشده، فلم يلتفت إليه النبيّ صلى الله عليه و آله وامتعض وأعرض بوجهه عنه، قائلًا في نفسه، إنّ هؤلاء الصناديد سوف يقولون: إنّما اتّبعه السفلة السقاط!.[٤]
قال أعداء الإسلام والمشنّعون بمقام سيّد المرسلين: هل هذا من خلق المرسلين؟
وهلّا يتنافى ما في هذه السورة مع قوله تعالى: «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»؟![٥]
قال الشريف المرتضى قدس سره: «أمّا ظاهر الآية فغير دالّ على توجّهها إلى النبيّ صلى الله عليه و آله ولافيها مايدلّ على أنّه خطاب له صلى الله عليه و آله بل هي خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه، وفيها مايدلّ عند التأمل على أنّ المعنيّ بها غير النبيّ صلى الله عليه و آله لأنّه وصفه بالعبوس، وليس هذا من صفات النبيّ صلى الله عليه و آله في قرآن ولاخبر مع الأعداء المنابذين، فضلًا عن المؤمنين المسترشدين.[٦]
ثمّ وصفه بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء، وهذا ممّا لايصف به نبيّنا صلى الله عليه و آله من
[١] - الزمر ٦٥: ٣٩- ٦٦.
[٢] - انظر: مجمع البيان، ج ٦، ص ٤٠٧.
[٣] - عبس ١: ٨٠- ١٠.
[٤] - جامع البيان، ج ٣٠، ص ٣٢- ٣٤.
[٥] - القلم ٤: ٦٨. انظر: الهدى إلى دين المصطفى للحجّة البلاغي، ج ١، ص ١٥٨.
[٦] - قال تعالى:« فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ». آلعمران ١٥٩: ٣.