التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٤ - خاتم النبيين
الراهنة ويتحمّلها، ومن ثمّ تحمّلها الرسول بنفسه كسرا لشوكتها، وإنّ شخصيّته الكبيرة لتحول دون توجيه أيّ شناعة إليه!
فأوحى اللّه إليه أنّ زيدا سوف يطلّق زوجته، ولا بدّ أن تتزوّجها أنت محقا لشريعة جاهليّة. فلمّا أن وقع بين زيد وزوجته زينب تشاجر وكراهية وأراد طلاقها نصحه النبيّ صلى الله عليه و آله: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ» وهي وظيفة دينية إصلاحا بين الزوجين مهما أمكن.
«وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ» أي كنت تعلم أنّ من وراء الستار أمر مدبّر هو على شرف الوقوع وأنّه سيطلّقها ويتزوّجها هو كما أخبر اللّه. «وَ تَخْشَى النَّاسَ» تعييرهم «وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ» أي أحقّ أن ترعاه في تطبيق شريعته ومكافحة شرائع جاهلية.[١] وبقيّة الآية ظاهرة.
*- ومنها قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَ اتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً».[٢]
هذه الآية كآية الإسراء (٧٣) المتقدّمة- وكم لها من نظائر في القرآن- تيئيس لمطمع المشركين والمنافقين في الاصطلاح مع النبيّ صلى الله عليه و آله وأن لامنفذ لخداعهم الخبيث في نفسه الكريمة «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ».[٣] فقد ورد أنّ أبا سفيان بنحرب وعكرمة بن أبيجهل وأبا الأعور السلمي قدموا المدينة، ونزلوا على عبداللّه بن ابيّ، بعد غزوة أُحد، بأمان من رسول اللّه صلى الله عليه و آله ليكلّموه. فقاموا وقام معهم عبداللّه بن ابيّ وعبداللّه بنسعد بن أبيسرح وطعمة بنأبيرق، فدخلوا على رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقالوا: يا محمّد، ارفض ذكر آلهتنا اللّات والعزّى ومنات. وقل: إنّ لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربّك. فشقّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه و آله ثمّ أمر بإخراجهم من المدينة ونزلت الآية.[٤]
*- ومنها قوله تعالى: «لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا».[٥] وللآية نظائر
[١] - انظر: مجمع البيان، ج ٨، ص ٣٦٠؛ والصافي في تفسير القرآن، ج ٢، ص ٣٥٥.
[٢] - الأحزاب ١: ٣٣- ٢.
[٣] - القلم ٩: ٦٨.
[٤] - مجمع البيان، ج ٨، ص ٣٣٥.
[٥] - الإسراء ٢٢: ١٧.