التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦١ - خاتم النبيين
قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ».[١]
قال تعالى: «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ» أي حالوا خداعك «عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» أي عن المنهج الحقّ الذي أدّبناك عليه «لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ» أي لتحوّله إلى طريقة أهل الترف والبغي، فيحسبوها طريقة الشرع بسبب انتسابها إليك. «إذن لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا» صحبوك وجالسوك. «وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ» بالعصمة الربّانية صمودا واستقامة على الحقّ، «لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا» أي لداهنتهم في بعض ماطلبوه، ولو طمعا في إسلامهم، لكن من الواجب على نبيّ اللّه أن لايداهن على باطل، ولا يسلك مسالك التقيّة أبدا، نظرا لأنّه المؤسّس والمشرّع وربّما اشتبهت معالم الدين الأصيلة.
و «لولا» الامتناعية رفضت كلّ احتمال الالتباس رأسا، وأنّه صلى الله عليه و آله لم يركن إليهم ولو قليلًا .. الأمر الذي يتنافى وأُسطورة الغرانيق بتاتا ..
وبقيّة الآية تعريض بأُولئك الذين يحاولون المداهنة في دين اللّه إطلاقا على مرّ الأجيال.
والآية الثانية: قوله تعالى: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ، وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».[٢]
قالوا- أيضا-: إنّها نزلت بشأن قصّة الغرانيق!
والصحيح: أنّ الآية تعني تسويلات إبليس المضلّة التي يُعرقل بها طرق الهداية التي يدعو إليها الأنبياء. فقد كان رسولاللّه صلى الله عليه و آله يرجو تطبيق الإسلام لوجه الأرض كلّها وإخضاع الأُمم له جميعا، ويسير مسيرته إلى الخلود والأبدية، ومن ثمّ قوّم من دعائمه ورصّن من أُسسه وقواعده الحكيمة، وكان يخشى من دسائس المنافقين حوله سوف
[١] - الشعراء ٢٠٠: ٢٦- ٢٠١.
[٢] - الحج ٥٢: ٢٢- ٥٤.