التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٠ - خاتم النبيين
خاتم النبيين
حاول أعداء الإسلام إلصاق تهم وافتراءات بساحة قدس رسولاللّه صلى الله عليه و آله والتمسوا لذلك شبهات واهية وفي نفس الوقت مفضوحة لايتلوّث بها ذيله الطاهر أبديّا. منها أُسطورة «الغرانيق» التي بحثنا عنها في الجزء الأوّل وذكرنا أوجه تفنيدها بتفصيل. وبقيت آيتان كانوا تشبّثوا بهما دليلا على الأُسطورة، لم نتكلّم عنهما هناك بتفصيل:
الاولى: قوله تعالى: «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ، وَ إِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا. إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً».[١]
زعموها نزلت بشأن قصّة الغرانيق!
ولكن الآية ترمي شيئا آخر لامساس له بتلك القصّة، وذلك أنّ قريشا بعد ما أيست من التغلّب على دعوة الحقّ، ورأت أنّ الدعوة تتقدّم بسرعة مع اللّيالي والأيّام، حاولت الاصطلاح مع رسولاللّه صلى الله عليه و آله ليجاملهم بعض الشيء، فلا يذكر آلهتهم بسوء ولايُسفّه أحلامهم علانية، وشرطوا عليه إن كان يرغب في موادّتهم ومراودتهم أن يجتنب مجالسة العبيد والسفلة الأذلّاء ويطردهم عن حاشيته وبالتالي يداهنهم في سيرته النزيهة التي تُمثّل منهج العدل والحكمة، فيُحوّلها إلى سلوك أهل الكبرياء وأصحاب الترف في الحياة.
وقد تحرّج النبيّ صلى الله عليه و آله تجاه اقتراحهم هذا الثقيل، فمن جهةٍ كان يرغب شديدا في إيمان قومه، فكان يرى لو جاملهم بعض الشيء لاستطاع إخضاعهم للإسلام، ومن جهة اخرى كان عليه صعبا جدّا أن يحوّل من سيرته العادلة إلى سيرة جبّارة، ولم يكن يستطيع ذلك أبدا.
فنزلت الآيات تيئيسا لمطمع أهل الشرك والفسوق، وترويحا بنفسه الكريمة ليتخلّص عن المأزق الذي وقع فيه. فليكن على قاطع من أمره أنّه يسير على المنهج الحقّ، وأن لامطمع في إيمان هؤلاء الأنذال حتى ولو جاملهم في الأمر. «كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي
[١] - الإسراء ٧٣: ١٧- ٧٥.