التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٨ - استعجال يونس
هل للقناعة والاقتصاد في تلك المرحلة مفهوم معقول؟!
ونبيّ اللّه سليمان إنّما طلب منحة إلهية اختصاصية يمتاز بها بين سائر الأنبياء حيث كلّ واحد منهم كان يمتاز بجهة هي غالبة على سائر الجهات من شؤون نبوّته الكريمة. آدم بسجود الملائكة له. نوح بكونه نجي اللّه. إبراهيم بخلّته. موسى بتكليمه. داود بلين الحديد وتسبيح الجبال معه. عيسى بكونه كلمة اللّه وروحا منه. محمّد خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين.
فأراد سليمان عليه السلام أن يكون امتيازه وطابعه الربّاني هو سيطرته على الإنس والجنّ والطير والوحش ليكون مظهر قدرته تعالى على جميع صنوف الخلائق. من غير أن يكون له مطمع في دنيا أو حبّ في رئاسة هي زائلة لامحالة.
استعجال يونس
قال تعالى: «وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ».[١]
ممّ كان مغاضبا؟ وكيف ظنّ أن لن يقدر اللّه عليه؟ وبماذا اعترف على نفسه بالظلم؟
الجواب: أنّه كان مغاضبا لقومه بسبب إصرارهم على الضلال والمعاندة مع الحقّ، وقد مكث بين أظهرهم يدعوهم إلى اللّه وهم لايستجيبونه حتّى أيس منهم، وأحسّ بالعقاب يرفرف على رؤوسهم، فأخذ بمغادرتهم لأنّ العذاب لاينزل بساحة قوم وفيهم نبيّ «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ».[٢] فمن وظيفة الأنبياء أن يغادروا مهبط العذاب.
فبناء على هذا القانون السماوي غادرهم يونس ولكن من غير استيذان خاصّ من اللّه في ذلك، علما منه بأنّ ذلك من وظيفته المتعيّنة عموما ولاحاجة إلى مراجعة اخرى خاصّة!
[١] - الأنبياء ٨٧: ٢١- ٨٨.
[٢] - الأنفال ٣٣: ٨.