التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٥ - اختبار داود
يهجمان عليه المحراب، وهو منشغل بخلوته مع ربّه، ومن ثمّ أفزعته تلك المباغتة الغريبة، وتسرّع في الحكم قبل أن يتأكّد من توفّر شروطه أجمع، حتى ولو كان بصورة فرض، لأنّه كان بمحضر المدّعى عليه، وربما أوجب انفعالا في نفسه فيتقاعس عن الدفاع عن نفسه، لظنّه أنّ الحكم حتم لخصمه فلا فائدة في الدفاع.
هذا ولاسيّما وقد أُلقيت الدعوى بصورة تستجلب الحكم للمدّعي في بادىء النظر، خصوصا والمدعى عليه ساكت لايتكلّم.
والخلاصة: أنّ بواعث التسرّع بأخذ جانب المدّعي حينذاك كانت متوفّرة أوّلًا:
هجوم الخصمين عليه بتلك الصورة المفزعة، وهي تحول دون رجوع العقل إلى رشده، ولايملك أيّ إنسان وعيه إذا ما ملكه الفزع وفاجأه رعب مهول. وربما يتّخذ تدبيرا هو بمعزل عن رشد العقل، ومن ثمّ كان من آداب الحكم أن لايكون القاضي منشغل الذهن بهواجس ولا مرتاعا في أمره.
ثانيا: إلقاء الدعوى بتلك الصورة المغرية: إنّه يملك نعجة واحدة، وخصمه يملك تسعاوتسعين نعجة، وطلب إليه أن يضمّ نعجته إلى نعاجه، من غير ماسبب معقول، سوى أنّه يملك أكثر بتلك النسبة العالية.
ولا شكّ أنّ الدعوى إذا كانت بتلك الصورة كان الحقّ مائة بالمائة مع المدّعي، ويكون المدّعى عليه ظالما له.
ولعلّ إلقاء الدعوة بتلك الصورة كان- أيضا- لأجل اختبار داود، هل تغلبه صورة الدعوى المغرية؟ وهل تثير من عواطفه الرقيقة ضدّ المحكوم؟ فإذا كان الأمر كذلك كان بعد لم تنضج صلاحيته للقضاء العدل الذي يريده اللّه.
ثالثا: سكوت المدّعى عليه محضا تجاه الغوغاء التي أثارها خصمه، وهو لاينبس ببنت شفة، كلّ ذلك كانت بواعث للحكم ضدّه في بادئ الأمر.
لكن داود عليه السلام بعد أن تسرّع إلى الحكم- فرضيا- رجع إلى رشده على فوره ورأى بنور اللّه أنّه لم يكن ينبغي منه ذلك التسرّع، ولابدّ أن يستمع إلى الخصم، ولعلّه ذو حجة