التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٤ - اختبار داود
قوله: «وَ لا تُشْطِطْ» أي لاتجر فيالحكم وهو أمر له بالعدل في القضاء، وهو أيضا غريب، إذ لم يعهد من متحاكمين أن يتجاسرا على القاضي بهذه اللهجة التي تبدو عليها أمارات التحكّم عليه وإلزامه بما هو وظيفته، ولاسيّما في مثل نبيّ اللّه داود الأمر الذي زاد من فزعه منهم.
قوله: «وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ» أي غَلَبني في المُحاججة. و «الْخُلَطاءِ» هم الشركاء في التعايش.
أليس يستشمّ من الآيات أنّ هناك أمرا كان قد فرط من داود عليه السلام فنبّهه اللّه عليه بتلك الطريقة المفزعة؟!
قلت: نعم، ولكن لابتلك المثابة التي يرويها مفسّروا العامّة، فإنّها لاتعدو إسرائيليات مفضوحة لاشأن لها سوى الحطّ من كرامة أنبياء اللّه العظام.
وقد شطب أئمّة أهل البيت عليهم السلام على القصّة التي يرويها القصّاصون[١] بشأن امرأة اوريا في تلك الفظاعة المستبشعة، التي لايقدم عليها مؤمن غيور فضلًا عن مثل نبيّاللّه داود عليه السلام. قال أميرالمؤمنين (صلوات اللّه عليه): «لا اوتي برجل يزعم أنّ داود تزوّج امرأة اوريا إلّا جلّدته حدّين، حدّا للنبوّة وحدّا للإسلام».[٢] وهكذا روي عن الإمام جعفر بنمحمد عليه السلام.[٣]
وليس في لفظ القرآن مايدعوا إلى التصديق بتلك القصّة المزعومة، سوى ماجاء في لفظ التوراة المحرّفة في حياكتها الفظيعة[٤] التي يرفضها العقل السليم وحاشا داود من نبيّ كريم!
وكلّ مايدلّ عليه ظاهر القرآن أنّه تعالى أراد أن يمتحن عبده داود في القضاء العدل ويدرّبه عليه تدريبا، حتى في أشدّ الحالات عليه، فجعل من الملكين في صورة خصمين
[١] - انظر: جامع البيان، ج ٢٣، ص ٩٣.
[٢] - انظر: مجمع البيان، ج ٨، ص ٤٧٢.
[٣] - بحار الأنوار، ج ١٤، ص ٢٦، رقم ٦.
[٤] - انظر: العهد القديم- صموئيل الثاني- الإصحاح الحادي عشر والإصحاح الثاني عشر. الكتاب المقدّس، ص ٤٩٧- ٥٠٠.