التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٣ - اختبار داود
فضلّوا، شأن كلّ زعيم إذا أحسّ بضعضعة في بعض جوانب قيادته، أن يستنطق المسؤول الذي عيّنه في تلك الجهة ويبادر إلى محاكمته إن كان رأى من موقفه التساهل والتقاعس عن وظيفته.
الأمر الذي دعى بموسى أن يوجّه ملامته أوّلًا وبالذات إلى أخيه المسؤول عن قومه.
فأخذ برأسه ولحيته وجرّه إليه بعنف، استنكارا على تساهله بأمر القوم.
وهارون وإن كان قد أبدى عذره عن سكوته تجاه ضلال القوم وعبادتهم للعجل لكنّه لم يكن بتلك المثابة التي تبرأ موقفه نهائيا، ومن ثمّ استغفر موسى لنفسه ولأخيه. إنّ هارون حسب من قيامه في وجه القوم حدوث انشقاق في صفوفهم وربما وقوع فساد وسفك دماء، فسكت ريثما يعود موسى وهو أعرف بموقفه مع القوم. الأمر الذي إن كان يصلح عذرا في الجملة، فليس من العذر المقبول كليّا. ومن ثمّ لم يكن موقف موسى مع أخيه حينذاك ظلما بشأنه ذلك الظلم الذي حسبوه، كما لايخفى على من أمعن النظر في جوانب القضية ودرسها بعمق. وهذا الكتاب موضع اختصار.
اختبار داود
قال تعالى: «وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ، قالُوا لا تَخَفْ، خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ. إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ، قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ، وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَ قَلِيلٌ ما هُمْ. وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ. فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ، وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ».[١]
قوله: «تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ» أي تسلّقوا حائطه وصعدوا عليه، ودخلوا على داود في محراب عبادته بهذه الطريقة غير المألوفة ولعلّه إرعابا له، ومن ثمّ فزع منهم.
[١] - ص ٢١: ٣٨- ٢٥.