التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥١ - خيفة موسى
وهكذا قوله تعالى: «وَ قالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ».[١]
الجواب: كلّا، بل هو استرحام واستعطاف، وسؤال عن مصلحة كادت تخفى على نبيّ اللّه موسى عليه السلام. وأخيرا اعترافه بأنّ وراء هذه الظواهر حكمة بالغة وفوائد تربوية جليلة، تخضع لها نفوس مستسلمة سليمة فتهتدي إلى معالم الحق، وإن كان قد يزيد في ضلال من زاغ قلبه وأعمى بصره.
قوله: «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ» أي ابتلاؤك وامتحانك للناس «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ».[٢]
وقوله: «أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا» استرحام وطلب للعفو عمّا فرط منهم في جنب السفهاء، حيث واكبوهم في سفاهتهم وداهنوهم في غفلتهم. ولم يقصد موسى عليه السلام نفسه، وإنّما عنى الرجال السبعين الذين اختارهم للميقات، أهلكتهم الرجفة بمجاملتهم مع سفهاء القوم.
واللام في قوله: «لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ» هي لام العاقبة، مثلها في قوله: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً».[٣]
وهذا تمهيد للدعاء عليهم بالهلاك والدمار، حيث كفروا بنعم اللّه عليهم ولم يشكروها، بل وأخذوا يستغلّونها في سبيل إضلال العباد والصدّ عن سبيل اللّه.
*** وقال تعالى: «وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ».[٤]
أليس هذا من طلب المستحيل؟
وقد تقدّم الجواب عن ذلك، بأنّه من باب تجاهل العارف، على أثر ضغط من قومه الجاهلين. فقد ورد أنّ لسانه لم يطق النطق به، فأوحى اللّه إليه: يا موسى سلني ما سألوك
[١] - يونس ٨٨: ١٠.
[٢] - الأنفال ٤٢: ٨.
[٣] - القصص ٨: ٢٨.
[٤] - الأعراف ١٤٣: ٧.