التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٠ - خيفة موسى
خيفة موسى
قال تعالى: «فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى»[١] مِمَّ كانت خيفته، وقد أمّنه تعالى من قبل «يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ»؟![٢]
والجواب: أنّ خيفته هذه لم تكن كخيفته الأُولى عند الشجرة عندما ألقى عصاه «فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى، قالَ: خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى».[٣] بل كانت خشية التمويه على العامّة والتباس الحقّ عليهم بالباطل، عندما رأى من عجيب فعل السحرة «فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى».[٤] «فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَروا أَعْيُنَ النّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ».[٥]
فأشفق عليه السلام أن يلتبس الأمر على العوامّ ولايميّزوا بين سحر السحرة وإعجازه حيث رأى من قوّة التلبيس والتخييل، فخاف من وقوع الشبهة على من لم يمعن النظر. فأمّنه اللّه تعالى من ذلك وبيّن له أنّ حجّته ستتّضح للقوم، بقوله «لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى. وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا، إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى».[٦] الأمر الذي كانت نتيجته إخضاع السحرة: «فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ. وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ. قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ».[٧]
*** وقال تعالى: «فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ (موسى) رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ، أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا، إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ، أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ».[٨]
أليس يستشمّ من ذلك رائحة الاعتراض؟
[١] - طه ٦٧: ٢٠.
[٢] - النمل ١٠: ٢٧.
[٣] - طه ٢٠: ٢٠- ٢١.
[٤] - طه ٦٦: ٢٠.
[٥] - الأعراف ١١٦: ٧.
[٦] - طه ٦٨: ٢٠- ٦٩.
[٧] - الأعراف ١١٨: ٧- ١٢٢.
[٨] - الأعراف ١٥٥: ٧.