التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٩ - استعفاء موسى
أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى».[١]
هذه الآية تفسّر تماما آية الشعراء وترفع الإشكال عن مواضع إبهامها رأسا.
مثلًا قوله: «فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ» ليس معناه: اعفني عن حمل الرسالة واجعل مكاني هارون! بل المعنى: فأرسل إلى هارون أيضا كي يشاركني في أمري ويؤازرني عليه.
وقوله: «أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ». وقوله: «فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» ليس معناه عدم الثقة بنجاح رسالته، وإنّما أراد بذلك طلب المزيد من عنايته تعالى والتيسير لأمره «وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي».
كما أنّه أراد بقوله: «وَ لا يَنْطَلِقُ لِسانِي» أن يمنّ عليه بانطلاق لسانه «وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي». وبقوله: «وَ يَضِيقُ صَدْرِي» أن يشرح صدره «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي». وبقوله:
«فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ» أن يجعله وزيرا له «اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» لا إيكالها إليه رأسا واعفاء نفسه عنها.
وقوله تعالى: «كَلَّا» طمأنينة لنفس موسى أنّهم لن يصلوا إليهما بسوء، وأنّه سوف يوفّق في رسالته وتكون له الغلبة في نهاية المطاف. أي كلّا لايستطيعون قتلك ولا الوقوف دون تبليغك الرسالة.
قال تعالى- في سورة القصص-: «قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً، فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي، إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. قالَ (تعالى مستجيبا لطلبه) سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما، بِآياتِنا، أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ».[٢]
وقد أوضح قوله: «فَأَرْسِلْهُ مَعِي» في هذه الآية ماجاء في سورة الشعراء من قوله:
«فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ» توضيحا يرفع كلّ إبهام وإيهام.
وقوله: «وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما» تفسير لقوله: «كُلا» في تلك الآية.
ويجمع الكلّ قوله تعالى: «قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى». فإنّه استجابة لجميع ما التمسه موسى عليه السلام من ربّه من الموفّقية والتسديد في أداء الرسالة.
[١] - طه ٢٤: ٢٠- ٣٦.
[٢] - القصص ٣٣: ٢٨- ٣٥.