التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٨ - استعفاء موسى
ماهذا الكفر الذي ينسبه فرعون إلى موسى؟
وماهذا الضلال الذي يراه موسى لنفسه؟
الجواب: أمّا الكفر فهو كفران النعم التي زعم فرعون أنّه أنعمها على موسى وعلى بني إسرائيل. ومن ثمّ ردّ عليه موسى بقوله: «وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ».[١]
وأمّا الضلال فإنّما يقصد به حالته قبل نزول الوحي عليه بالنبوّة، وهو ضلال نسبي يعمّ كلّ نبيّ قبل أن يوحى إليه، لايكون عارفا بتفاصيل الشريعة التي ستنزل عليه، إلّا إذا علّمه اللّه تعالى.
وقد فسّروا الضلال هنا بتفاسير اخر، تجدها في مجمع البيان للطبرسي[٢] وتنزيه الأنبياء للشريف المرتضى.[٣]
استعفاء موسى
قال تعالى: «وَ إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ. قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لا يَنْطَلِقُ لِسانِي، فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ. وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. قالَ كَلَّا، فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ».[٤]
وهل ينبغي لمرشَّح لمقام النبوّة وقد اختاره اللّه واجتباه من خلقه أن يستعفي منها، ثمّ يدلّ على غيره؟!
والجواب: أنّ مقارنة هذه الآية مع آية طه ترفع الاعتراض رأسا. إنّه عليه السلام لم يستعف، وإنّما سأل ربّه أن يمدّه بمساعد موثوق به من أهله، وأبدى عجزه عن الاستقلال بعبء الرسالة، فأجابه تعالى إلى مسؤوله واستجاب دعاءه.
قال تعالى: «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً، إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. قالَ قَدْ
[١] - الشعراء ٢٢: ٢٦.
[٢] - مجمع البيان، ج ٧، ص ١٨٧.
[٣] - تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى، ص ٧٠.
[٤] - الشعراء ١٠: ٢٦- ١٥.