التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤١ - تورية إبراهيم
وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ».[١] وكان الاستثناء مجملًا.
وعندما نادى نوح ابنه وكان في معزل «يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ»[٢] قال له ذلك إشفاقا بشأنه. ولمّا أيس منه دعا ربّه ليهديه بلطفه. فقال: «رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ» إشارة إلى مافي الآية السابقة: «وَ أَهْلَكَ».
فنبّهه اللّه تعالى بخطاءه في التشخيص، وأنّه من المستثنى، وأنّه ليس من ذلك الأهل الموعود نجاتهم. ولم يكن نفيا لبنوّته رأسا، وذلك لأنّه تعالى أقرّه في قوله: «وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ». فلولا أنّه ابنه الحقيقي لما صحّ هذا التعبير بشأنه. ولكان من حقّ التعبير أن يقول:
«ونادى نوح من كان يزعَمُ أنّه ابنه»!.
تورية إبراهيم
١- قال تعالى: «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ- إلى قوله- قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ».[٣]
وهذا من باب تجاهل العارف، وتربية عمليّة لقومه يُعلّمهم كيف يسيرون في طريق الاهتداء إلى الحقّ واستجلاء الحقيقة.
٢- وقال تعالى: «قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، فَسْئَلُوهُمْ، إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ».[٤]
جملة «فَسْئَلُوهُمْ» معترضة. والشرط- في واقعه- قيد لقوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ».
وهذا من لطيف التورية في الكلام. حيث ظاهر الكلام أنّ الشرط قيد لجملة الأمر بالسؤال، لكنّه إنّما قصده قيدا لجوابه عن سؤال قومه.
وفي هذه التورية فائدة تنبيه ضمائرهم على أنّ معبودهم الذي اصطنعوه لايستطيع عملًا ولا ينطق كلاما، وهو تعبير لطيف وتوبيخ.
ثُمَّ الكذب إنّما يكون إذا لم يكن الواقع مكشوفا، فإنّه على فرض كونه مكشوفا
[١] - هود ٤٠: ١١.
[٢] - هود ٤٢: ١١.
[٣] - الأنعام ٧٦: ٦- ٧٨.
[٤] - الأنبياء ٦٣: ٢١.