التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٠ - دعوة نوح
وأمّا كيف حصلت الخطيئة، والطريقة التي سلكها إبليس في سبيل إغواءهما فهذا شيء فصّلنا الكلام فيه في التفسير.
دعوة نوح
قال تعالى: «وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً».[١]
قيل: إنّه تسرّع في الدعاء على قومه، وكان كلّما أراد الدعاء على قومه وافته الملائكة يستميحونه بشأنهم، فتؤجّل الدعوة ثلاثمائة سنة. حتى تيقّن باليأس.
لكنّها مزعومة لا أساس لها، وإن ذكرها بعض كبار المفسّرين، ذلك أنّها مخالفة لصريح القرآن، حيث جاء في سورة هود، إنّ قومه كانوا يجادلونه ويستعجلون عليه بالعذاب الموعود، لكنّه عليه السلام كان هو يرأف بهم ولا يستعجل بطلب العذاب، رحمة منه عليهم. حتى وافاه الوحي باليأس والقنوط بشأنهم: «وَ أُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ».[٢]
الأمر الذي يدلّ على أنّه عليه السلام كان يستمهل ربّه فيتأخير العذاب حتى جاءه التيئيس.
*** وقال تعالى: «وَ نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ. قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ، وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ».[٣]
كيف يكذّب تعالى نبيّه نوحا في دعواه المذكورة؟!
والجواب: أنّه تعالى وعد نوحا بنجاة أهله في قوله: «احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
[١] - نوح ٢٦: ٧١.
[٢] - هود ٣٦: ١١- ٣٧.
[٣] - هود ٤٥: ١١- ٤٧.