التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٨ - خطيئة آدم
إذن لم يكن ظلمهما بأنفسهما مما يؤثّر ابتعادا عن ساحة قدسه تعالى، إذ لم يمسّ جانبه تعالى، فلم يوجب سقوطهما عن منزلتهما المعنوية الشامخة: «خلافة اللّه في أرضه».
ثانيا: النهي عن أكل الشجرة كان نهي إرشاد إلى مصلحته بالذات، ولم يكن نهيا مولويّا بتكليف وإلزام. ومن ثمّ قال: «فتشقى» أي تقع في التعب والنصب. كما في قوله تعالى: «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى»[١] أي لتوقع نفسك في المشقّة وحرمان لذائذ الحياة.
وذلك لأنّ الأكل من تلك الشجرة كان يوجب تلوّثا كانت الجنّة التي سكنها آدم وزوجه تأباه، لطهارتها وقداستها قربا إلى العليّ الأعلى، ومن ثمّ نهى آدم عن أكلها خوف التلوّث أو يضطرّ إلى الخروج منها.
ثالثا: العصيان هي مخالفة الأمر، وهو يتنوّع حسب نوعيّة الأمر الموجّه إليه. فإن كان الأمر تكليفا مولويّا كانت مخالفته عصيانا محرَّما وخروجا عن مرسوم العبوديّة تجاه أوامر المولى الحكيم. فهو تمرّد وطغيان على المولى، ويستحقّ مرتكبه الذمّ والعقاب.
وأمّا إن كان الأمر إرشادا إلى مصلحة تعود إلى نفس المأمور، من غير مامساس بجوانب الآمر بتاتا، كما في أوامر الطبيب بالنسبة إلى المريض المتداوى عنده، فإنّ مخالفته أيضا عصيان وربما يُقبّحه العقلاء ويذمّونه، لكن من غير ماخروج عن مرسوم العبوديّة ولاطغيان على المولى الكريم، ومن ثمّ لم يجز عقابه ولا مؤاخذته بالشدّة والعذاب.
وبما أنّ عصيان آدم كان من النوع الأخير، فلم يوجب ابتعاده عن ساحة قدسه تعالى، حيث لم يَطْغُ على مولاه ولم يخرج عن إطار عبوديّته تجاه ربّ العالمين.
رابعا: أمّا وسوسة إبليس فلم تعد أن دلّاهما بغرور، من غير أن تكون له سلطة عليهما، فضلًا عن أنّ آية الحجر إنّما تنفيتأثيره على الأنبياء فيما يخصّ إغواءهم بشأن
[١] - طه ١: ٢٠ و ٢.