التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٠ - العلم الذاتي والعلم الفعلي
أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً»[١]-: أي ليظهر معلومنا على ما علمناه.[٢]
*- وذكر الإمام الرازي- عند تفسير قوله تعالى: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً»[٣]- أنّ المتكلّمين قالوا بأنّ معنى الآية: أنّه تعالى قبل حدوث الشيء لايعلمه حاصلًا واقعا، بل يعلم منه أنّه سيحدث. أمّا عند حدوثه ووقوعه، فإنّه يعلمه حادثا واقعا.
فقوله: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً» معناه: أنّ الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله، وقبل ذلك فقد كان الحاصل هو العلم بأنّه سيقع أو سيحدث.[٤]
*- وبذلك نعرف معنى قوله تعالى: «قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ».[٥]
*- وقوله تعالى: «أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ».[٦]
إذ نفي علمه تعالى كناية عن عدم الوجود، إذ لوكان لبانَ وعَلِمَه تعالى. قال الطبرسي:
معناه أنّه ليس، ولو كان لعُلم.[٧]
*** والذي نستخلصه من مجموعة هذه الآيات هو: أنّ علمه تعالى بالأشياء أو بالامور، وإن كان أزلًا ومن غير اختلاف بالنسبة إليه سبحانه، لكنّه بالنظر إلى تعلّقاته التي هي إضافات خاصّة، كان مختلفا تعلّقا، فعلمه تعالى بالشيء قبل وجوده، علم تعلّق بوصف الشيء وهو أنّه سيوجد، وأمّا علمه تعالى المتعلّق بذات الشيء فهو الذي يتحقّق بتحقّق الشيء وبعد إفاضة الوجود عليه. ومن ثمّ كان علمه تعالى بالشيء أي بعينه مساوقا لوجود ذلك الشيء، فمتى وُجد عُلم، وما لم يوجد لم يُعلم، لأنّ الوجود- في حقيقته- ظهورٌ، والظهور عبارة عن الحضور في محضر الحقّ تعالى، كما أنّ علمه تعالى بالأشياء
[١] - الكهف ١٢: ١٨.
[٢] - مجمع البيان، ج ٦، ص ٤٥٢.
[٣] - الأنفال ٦٦: ٨.
[٤] - التفسير الكبير، ج ١٥، ص ١٩٦.
[٥] - يونس ١٨: ١٠.
[٦] - الرعد ٣٣: ١٣.
[٧] - مجمع البيان، ج ٥، ص ٩٨ و ج ٦، ص ٢٩٥.