التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٧ - العلم الذاتي والعلم الفعلي
قال رحمه الله: فهذه خمس مسائل ...[١]
وإلى هذا المعنى ينظر ماورد من آيات تنفي علمه تعالى بشيء، أو ليحصل علمه بشيء، إذ نفي علمه تعالى بشيءٍ، معناه: نفي وجود ذلك الشيء وأنّه لم يُحْظَ بحلية الوجود. كما أنّ إرادة حصول علمه تعالى بشيء، هي عين إرادة وجود ذلك الشيء، ومنحه للتشرّف بالحضور لديه تعالى.
*- قال العلّامة الطباطبائي- في تفسير قوله تعالى: «وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ»[٢]-: المراد ظهور إيمان المؤمنين بعد بطونه، فإنّ علمه تعالى بالحوادث والأشياء في الخارج عين وجودها فيه، فإنّ الأشياء معلومة له تعالى بنفس وجودها، لابصورها المأخوذة منها- كما في علومنا وإدراكاتنا- ولازم ذلك أن تكون إرادته تعالى العلم بشيء هي إرادة تحقّقه وظهوره.
قال: وحيث قال تعالى: «وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ...» فأخذ وجودهم (أي وجود أشخاصهم) محقّقا، أفاد ذلك إرادة ظهور إيمانهم. وإذ كان ذلك على سنّة الأسباب والمُسَبَّبات لم يكن بدٌّ من وقوع امورٍ توجب ظهور إيمان المؤمن بعد خفائه ...[٣]
وقال الطبرسي: وإذ كان اللّه تعالى يعلمهم قبل إظهارهم الإيمان كما يعلمهم بعده، فإنّما يعلم قبل الإظهار أنّهم سيُميَّزون، فإذا أظهروه، علمهم مُتميّزين. ويكون التغيير حاصلًا في المعلوم لا في العالم. كما أنّ أحدنا يعلم الغد قبل مجيئه على معنى أنّه سيجيء فإذا جاء، علمه جائيا وعلمه يوما لاغدا، فإذا انقضى فإنّما يعلمه أمس لايوما ولا غدا، ويكون التغيير واقعا في المعلوم لا في العالم.[٤]
*- وهكذا قال الطباطبائي- في قوله تعالى: «وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ...»[٥]-: المراد بقوله «لنعلم ...» إمّا علم الرسل
[١] - راجع: الفصل ١١ في علمه تعالى من نهاية الحكمة، ص ٢٨٩.
[٢] - آل عمران ١٤٠: ٣.
[٣] - الميزان في تفسير القرآن، ج ٤، ص ٢٨.
[٤] - مجمع البيان، ج ٢، ص ٥١٠.
[٥] - البقرة ١٤٣: ٢.