التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٢ - العلم الحادث والعلم القديم
وجوده، ولا يبقى بعد فنائه.
قال: ولا امتناع في اتّصاف الذات بعلوم حادثة، هي تعلّقات وإضافات، ولا في حدوثها مع كونها مستندة إلى القديم بطريق الإيجاب دون الاختيار، لكونها مشروطة بشروط حادثة.[١]
وذكر الإمام الرازي استدلال أبي الحسين على مذهبه الذي خالف فيه مشايخ المعتزلة، قال: وزعم أنّ العلم بأنّ الشيء سيوجد يمتنع أن يكون نفس العلم بوجوده إن وجد، واحتجّ عليه من وجوه:
أوّلها: أنّ من شرط المثلين أن يقوم كلّ واحد منهما مقام الآخر، والعلم بأنّ الشيء سيوجد لايقوم البتة مقام العلم بأنّه موجود الآن، فإنّ قبل وقوع المعلوم لو اعتقد أنّه سيقع بعده ذلك، كان علما، ولو اعتقد أنّه واقع الآن كان جهلًا. وأمّا حال وقوعه ينعكس الأمر، فلو اعتقد أنّه سيقع كان جهلا، ولو اعتقد أنّه واقع كان علما، فثبت أنّ كلّ واحد منهما لايقوم مقام الآخر، وذلك يقتضي كونهما مختلفين في الحقيقة، وإذا وقع الاختلاف في الحقيقة لايمكن دعوى الاتّحاد.
وثانيها: أنّ كونه علما بأنّه سيقع، غير مشروط بوقوعه. وكونه علما بوقوعه، مشروط.
وما ليس مشروطا بالشيء يمتنع أن يكون عين ما يكون مشروطا بالشيء.
وثالثها: أنّ مجرد العلم بأنّ الشيء سيقع، لايكون علما بوقوعه إذا وقع. فإنّ من علم أنّ زيدا سيدخل البلد غدا، ثم إنّه جلس في بيت مُظلَم لا يتميّز فيه بين الليل والنهار، وبقي على هذه الحالة حتى جاء النهار ودخل زيد البلد، فهاهنا، هذا الشخص، بمجرّد علمه بأنّ زيدا سيدخل البلد غدا، لايصير عالما بأنه دخل الآن في البلد. فثبت أنّ العلم بأنّ الشيء سيوجد لايكون علما بوجوده إذا وُجد. بلى من علم أنّ زيدا سيدخل البلد غدا، ثمّ علم حضور الغد، فحينئذٍ يتولّد من هذين العلمين علمٌ بأنّ زيدا دخل الآن البلد.
ورابعها: أنّ العلم بالشيء صورة مطابقة للمعلوم، ولا شكّ أنّ حقيقة أنَّه سيقع، مخالفة
[١] - راجع: شرح المقاصد، ج ٤، ص ١٢٦- ١٢٧.