التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢١ - العلم الحادث والعلم القديم
ذات العلم.
فعلمه تعالى الحادث، إنّما يوصف بالحدوث باعتبار متعلّقه لاذاته. وهذا العلم الحادث إنّما سبقه العلم الأزلي القديم، على خلاف علمنا الحادث المسبوق بالجهل محضا.
فوصف علمه تعالى هذا الحادث بالتغيّر، باعتبار تغيّر متعلّقاته، لايستلزم القول بتغيّر علمه الأزلي المستدعي لتغيّر ذاته المقدّسة، تعالى اللّه عن ذلك.
*** وقد نُسب إلى أبي محمد هشام بنالحكم الشيباني (شيخ الإمامية ومتكلّمهم المناظر، توفّي سنة ١٩٠). قوله بأنّ اللّه تعالى لايعلم الجزئيّات إلّا عند وقوعها، مستدلًاّ بقوله تعالى: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً».[١] نسبه إليه الفخر الرازي.[٢]
أي علمه تعالى المتعلّق بأعيان الموجودات إنّما يتحقّق بعد ظهوراتها. يعني به علمه الحادث، من غير أن يستلزم ذلك نفي علمه القديم.
وهكذا نُسب إلى أبي الحسين محمد بنعلي الطيّب البصري (المتكلّم على مذهب المعتزلة، توفي سنة ٤٤٦) قوله بتغيّر علمه تعالى المتعلّق بالجزئيّات حسب تغيّرها.
قال سعدالدين التفتازاني (ت ٧٩٣): ذهب أبوالحسين إلى أنّ علم البارئ بالجزئيات (أي أعيان الموجودات) يتغيّر بتغيّرها، ويحدث بعد وقوعها، ولا يقدح ذلك في قِدَم الذات. كما هو مذهب جهم بنصفوان السمرقندي (قتله نصر بنسيار سنة ١٢٨) وهشام بنالحكم، من القدماء. وهو (أي البارئ تعالى) في أنّه في الأزل إنّما يعلم الماهيّات والحقائق، وأمّا التصديقات- أعني الأحكام بأنّ هذا قد وُجد، وذلك قد عُدم- فإنّما يحدث فيما لايزال (أي يتجدّد حسب تلاحق الزمان) وكذا تصوّر الجزئيات الحادثة (أي العلم بها). وبالجملة فذاته (تعالى) توجب العلم بالشيء بشرط وجوده، فلا يحصل قبل
[١] - الأنفال ٦٦: ٨.
[٢] - راجع: التفسير الكبير، ج ١٥، ص ١٩٥- ١٩٦؛ والبراهين في علم الكلام، ج ١، ص ١١٩.