التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٠ - العلم الحادث والعلم القديم
فما هذا العلم الحادث، وكيف تكون ذاته المقدَّسة معرضا لعروض الحوادث، وهل يختلف هذا العلم مع علمه تعالى الأزلي القديم؟
الأمر الذي يجب الوقوف لديه والتريّث في حقيقة الأمر!
ولنتكلّم عن حقيقة العلم ذاتيّا، ثمّ النظر في قسميه: القديم والحادث، بالنسبة إليه تعالى!
العلم في حقيقته ليس سوى انكشاف المعلوم لدى العالم، إذا لم يكن بينهما حجاب، وهو- على ذلك- يعدّ من مقولة الإضافة، ينتزعه العقل انتزاعا عند تقابل المُدرِك مع المُدرَك، إذا لم يحل بينهما فاصل حجاب. فليس العلم سوى عدم الحاجز بين العالم والمعلوم!
غير أنّ العلم لدينا هو حصول صورة الشيء وانتقاشه في الذهن، أمّا علمه تعالى فعبارة عن حضور المعلوم بعينه لديه. ومن ثمّ كان علمه تعالى حضوريّا لا حصوليّا.
قال العلّامة الطباطبائي: ليس العلم سوى حضور شيء لشيء، إمّا حضور صورته- كما في علمنا- أو حضور عينه، كما في علمه تعالى.[١]
فالعلم في حقيقته، اعتبارٌ منشأه الانتزاع، الحاصل من تقابل شيء لشيء مع عدم حاجز بينهما!
وعلمه تعالى بالأشياء، عبارة عن حضور الأشياء بأسرها لديه «وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ».[٢] فالأشياء بأسرها حاضرة لديه، وحتّى الزّمان لايصلح حاجزا في هذا المجال.
نعم كان علمه تعالى بالأشياء قبل وجوداتها وقبل ظهورها في عرصة الوجود، إنّما كان متعلّقا بها بوصف أنّها موجودات آتيات، أي مقدّرة الوجود. أمّا وبعد ظهورها في ساحة الوجود فأصبحت موجودات بالفعل، وتعلّق علمه تعالى بها تعلّقا بالعين. فقد تبدّل علمه من التعلّق بالوصف إلى التعلّق بالعين. فالتبدّل إنّما حصل في جانب المتعلَّق لا في
[١] - نهاية الحكمة، ص ٢٨٩.
[٢] - يونس ٦١: ١٠.