التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢ - من هم الراسخون في العلم؟
من الماء الغدق؟ إنّها شربة حياة العلم، يفيضها الإله تعالى على من يشاء من عباده المؤمنين، ويطلعهم على أسرار الملك والملكوت في العالمين.
وأوّل الراسخين في العلم هو رسول اللّه صلى الله عليه و آله. قال الإمام محمّد بنعليّ الباقر عليه السلام:
أفضل الراسخين في العلم رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد علم جميع ما أنزل اللّه في القرآن من التنزيل والتأويل، وما كان اللّه لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله.[١] ثمّ باب مدينة علمه أميرالمؤمنين عليه السلام والأوصياء من بعده عليهم السلام. قال الإمام جعفر بنمحمّد الصادق عليه السلام: «إنّ اللّه علّم نبيّه التنزيل والتأويل، فعلّم رسول اللّه صلى الله عليه و آله عليا عليه السلام وعلمنا، واللّه».[٢]
وهكذا استمرّ بين أظهر المسلمين- عبر العصور- رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه، فثبتوا واستقاموا على الطريقة فسقاهم ربّهم ماءً غدقا. قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين.[٣]
وقد جاء التعبير عن علماء أهل الكتاب الربّانيّين بالراسخين في العلم «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ»[٤] دليلًا على أنّ العلماء العاملين، الذين ساروا على منهج الدين القويم، وكملت معرفتهم بحقائق الشريعة الطاهرة، هم راسخون في العلم، ويعلمون التأويل. قال الإمام الصادق عليه السلام: «نحن الراسخون في العلم، فنحن نعلم تأويله».[٥] وعن ابنعباس تلميذ الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام:
«أنا ممّن يعلم تأويله».[٦] وفي وصيّة النبي صلى الله عليه و آله «فما اشتبه عليكم فاسألوا عنه أهل العلم يخبرونكم».[٧] فلولا أنّ في امّته علماء عارفين بتأويل المتشابهات، لما أوصى صلى الله عليه و آله بمراجعتهم في حلّ متشابكات الامور و «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ»[٨] وصلّى اللّه على محمّدٍ وآله الطّاهرين.
[١] - البحار، ج ٩٢، ص ٧٨.
[٢] - مرآة الأنوار، ص ١٥.
[٣] - سفينة البحار، ج ١، ص ٢٠٤، مادة« أول».
[٤] - النساء ١٦٢: ٤.
[٥] - تفسير البرهان، ج ١، ص ٢٧١.
[٦] - الدرّ المنثور للسيوطي، ج ٢، ص ٧.
[٧] - آلاء الرحمان للبلاغي، ج ١، ص ٢٥٧.
[٨] - الأعراف ٤٣: ٧.