التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري، فهو يعرف الحقّ بذاته، ويرجع كلّ قول إليه، قائلًا:
«آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا».[١]
بقي هنا شيء: وهو أنّ الإمام الرازي- تأكيدا لاختياره الاختصاص- استمدّ بالأدب الرفيع! وقال: إنّ العطف بعيد عن ذوق الفصاحة، ولو أُريد العطف لكان الأولى أن يقال:
وهم يقولون آمنّا به، أو يقال: ويقولون آمنّا به.[٢]
ووافقه على هذا الذوق الأدبي! سيّدنا العلّامة الطباطبائي، قائلًا: وظاهر الحصر كون العلم بالتأويل مقصورا عليه تعالى. وظاهر الكلام أنّ الواو في «والراسخون ...» للاستئناف، لكونه طرفا للترديد الواقع في صدر الآية «فَأَمَّا الَّذِينَ ...». ولو كان للعطف الدال على التشريك، لكان من أفضل الراسخين- حينذاك- هو الرسول الأعظم، فكان من حقّه أن يفرد بالذكر، تشريفا بمقامه كما في قوله تعالى: «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ».[٣] وقوله: «ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ»[٤] وقوله: «وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا».[٥]
قلت: إن كنّا نرى لهذين العلَمين منزلتهما الشامخة في مجال الحكمة والعلوم العقليّة، فإنّ ذلك- بنفس المرتبة- أبعدهما عن عالم الأدب اللَّسَني والعلوم النقليّة، لاسيّما وأنّهما لم يذكرا سبب تلك الاستذاقة الغريبة! وقد أسلفنا نقل كلام أئمّة الأدب في ترجيح العطف على الاستئناف. هذا، وقد ذهب عن الإمام الرازي أنّ الجملة الحالية إذا صدّرت بالفعل المضارع يجب تجريدها عن الواو البتة، قال ابنمالك في باب الحال من ألفيته في النحو:
|
وذات بدء بمضارع ثبت |
حوت ضميرا ومن الواو خلت |
|
كما ذهب عن سيّدنا الطباطبائي أنّ في القرآن كثيرا من عمومات تشمل النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله يقينا ولم يفرد بالذكر، منها: قوله تعالى: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ
[١] - تفسير المنار، ج ٣، ص ١٦٧.
[٢] - التفسير الكبير، ج ٧، ص ١٧٧.
[٣] - البقرة ٢٨٥: ٢.
[٤] - التوبة ٢٦: ٩.
[٥] - آلعمران ٦٨: ٣.