التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٧ - البداء في معناه الجائز على الله
البداء في معناه الممتنع على اللّه
البداء- في حقيقته-: نشأة رأي جديد، وهو عبارة عن تجدّد رأي لم يكن من ذي قبل، لأسباب دعت إلى هذا التجديد، وهو في الغالب لسبب الجهل بواقع الأمر ثمّ انكشف لحينه، الأمر الذي يستدعي حصول العلم بشيء أو أمر كان خافيا من قبل. ومن ثمّ كان مستحيلا عليه تعالى، الذي لايخفى عليه شيء في السماوات والأرض، ولم يزل عالما بالأشياء قبل وجودها ... «وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ».[١]
وإلى ذلك أشار شيخنا المفيد بقوله: «وجميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه، بعد أن لم تكن، فهي معلومة له تعالى فيما لم يزل ...».
وهكذا فيما جاء عن الإمام الصادق عليه السلام: «ما بدا للّه في شيء إلّا كان في علمه قبل أن يبدو له». وقال: «إنّ اللّه لم يبدُ له من جهل».[٢]
قال عليه السلام: «من زعم أنّ اللّه عزّوجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه».[٣]
وقال: «من زعم أنّ اللّه تعالى بدا له من شيء بداء ندامةٍ فهو كافر باللّه العظيم».[٤]
وروى الكليني في الصحيح بإسناده عن منصور بنحازم، قال: سألت أبا عبداللّه عليه السلام هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم اللّه بالأمس؟ قال: لا، من قال هذا فأخزاه اللّه. قلت:
أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم اللّه؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق.[٥]
البداء في معناه الجائز على اللّه
وللعلماء في تأويل مسألة البداء المنسوب إلى اللّه تعالى مذاهب وآراء سوف نشرحها. وكان الرأي السائد الذي تبنّاه أكثر أهل النظر، هو: أنّ مشيئته تعالى في تكوين شيء على خلاف مجراه، معلّقة على وجود أمر كان تحقّقه رهن اختيار الإنسان ذاته. فإذا
[١] - يونس ٦١: ١٠.
[٢] - الكافي، ج ١، ص ١٤٨، رقم ٩ و ١٠.
[٣] - بحار الأنوار، ج ٤، ص ١١١، رقم ٣٠.
[٤] - المصدر، ص ١٢٥ بالهامش.
[٥] - الكافي، ج ١، ص ١٤٨، رقم ١١.