التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٤ - البداء في اللغة والاصطلاح
وقال الشيخ المفيد: جميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه بعد أن لم تكن فهي معلومة فيما لم يزل، وإنّما يوصف منها بالبداء ما لم يكن في الاحتساب ظهوره ولا في غالب الظنّ وقوعه. فأمّا ما علم كونه وغلبت في الظنّ حصوله فلا يستعمل فيه لفظ البداء. ويعني بآية الزمر (٤٧: ٣٩): ظهر لهم من أفعاله تعالى بهم ما لم يكن في حسبانهم وتقديرهم.[١]
ولفظة البداء المستعملة في القرآن- ثلاثيّا- كلّها على ذلك على وجه التقريب.[٢]
والبداء- في مصطلح الفنّ-: نشأة رأي جديد، وهو في التكوين نظير النسخ في التشريع، عبارة عن التجدّد في الرأي، سواء في التكوين أم في التشريع.
قال تعالى- بشأن النسخ-: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».[٣]
وقال- بشأن البداء-: «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ. يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ».[٤]
غير أنّه بالنسبة إليه تعالى يختلف معناه عمّا إذا نسب إلى غيره، حسبما ننبّه.
وهكذا ورد في الحديث نسبة البداء إلى اللّه سبحانه، ففي صحيح البخاري- في حديث الأقرع والأبرص والأعمى-: «بدا للّه عزّوجلّ أن يَبْتَليهم ...».[٥]
قال ابنحجر: بدا للّه، بتخفيف الدال المهملة بغير همز أي سبق في علم اللّه فأراد إظهاره، وليس المراد أنّه ظهر له بعد أن كان خافيا، لأنّ ذلك محال في حقّ اللّه تعالى.
قال: وقد أخرجه مسلم، بلفظ: «أراد اللّه أن يبتليهم ...» فلعلّ التغيير فيه من الرواة، مع أنّ في الرواية أيضا نظرا، لأنّه تعالى لم يزل مريدا. والمعنى: أظهر اللّه ذلك فيهم. وقيل:
معنى أراد، قضى.[٦]
[١] - تصحيح الاعتقاد، ص ٢٤- ٢٥.
[٢] - راجع الآيات: آل عمران ١١٨: ٣.( الأنعام ٢٨: ٦).( الأعراف ٢٢: ٧).( الزمر ٤٨: ٣٩).( الجاثية ٣٣: ٤٥).( الممتحنة ٤: ٦٠).
[٣] - البقرة ١٠٦: ٢.
[٤] - الرعد ٣٨: ١٣- ٣٩.
[٥] - صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، رقم ٥١، ج ٤، ص ٢٠٨.
[٦] - فتح الباري شرح البخاري، ج ٦، ص ٣٦٤.