التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٣ - البداء في اللغة والاصطلاح
في ظاهر الأمر. أمّا في واقع الأمر فكان مقدَّرا في الأزل في علمه تعالى المكنون.
هذه صورة إجماليّة عن مسألة البداء في التكوين، وفق ما جاءت به النصوص.
وإليك طرفا من تفصيل الكلام فيها حسبما جاءت به قرائح علمائنا الأعلام، ومن اللّه التوفيق:
البداء في اللغة والاصطلاح
البداء- في اللغة- هو الظهور بعد خفاءٍ، يقال: بدا له بداءٌ أي تجدّد له رأي. وبدا له شيءٌ، أي ظهر له على غير ترقّب أو من غير قصد.
قال تعالى: «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ».[١] وهذا من البداء في الرأي.
وقال: «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ»[٢] أي ظهر لهم منه تعالى على غير ترقّب لهم من ظهوره.
قال أبو ربيعة المخزومي:
|
بدا لي منها مِعصمٌ حين جَمَّرَت |
وكفٌّ خضيبٌ زُيّنت ببنانٍ |
|
ولعلّ ظهور معصمها وكفّها له في تلك الحالة كان على خلاف انتظاره، حيث النساء العفيفات يحتشمن من إبداء زينتهنّ للأجانب ولا سيّما في حالة رمي الجمرات وهي حالة عبادة. ولعلّ زينتها ظهرت من غير قصد!
قال أبو الهلال العسكري: الفرق بين البدُوّ والظهور، أنّ الظهور يكون بقصد وبغير قصد، تقول: استتر فلان ثمّ ظهر، وهذا يدلّ على قصده للظهور. ويقال: ظهر له أمر فلان وإن لم يقصد لذلك. والبدوّ ما يكون بغير قصد، تقول: بدا البرقُ وبدا الصبحُ وبدت الشمس. وبدا لي في الشيء، لأنّك لم تقصد للبدوّ.[٣]
[١] - يوسف ٣٥: ١٢.
[٢] - الزمر ٤٧: ٣٩.
[٣] - الفروق اللغويّة، ص ٢٣٧، باب ٢٧.