التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧١ - تصوير إجمالي عن مسألة البداء
فدراسة الطبيعة وفق مقتضياتها الأوّليّة، علم بالتقدير الأوّل والذي فيه البداء، أي:
احتمال التغيير في جهة المسير. فإذا تغيّرت الجهة بعروض الطوارىء- غير المترقّبة حسب الظاهر- فقد حصل البداء، وهو: الظهور غير المترقّب.
وما «لوحُ المحو والإثبات» سوى صفحة الطبيعة. مُسَجّلةً فيها التقادير والآجال حسب طبائع الأشياء الذاتيّة لولا عروض الطوارئ.
وها هم علماء الطبيعة يدرسون تقادير الأشياء وآجالها حسبما رسمت لها طبائعها في صفحة الوجود. فهذه دورة الفلك والنجوم، والشجر والنبات، والحيوان والإنسان ...
يدرسها العلماء بإمعان فيستعلمون تقاديرها وآجالها حسبما رسمت لها الطبيعة، ويعرفون مصيرها فيما يأتي كما عرفوا مسيرتها فيما مضى. كلّ ذلك لولا عروض الطوارئ والموانع الحائلة دون اتّجاه المسير. الأمر الذي لايعرفه- فيما يستقبل- سوى اللّه وفي علمه الأزلي، وهو المعبّر عنه بالّلوح المحفوظ.
فالمُثبَت في لوح المحو والإثبات (صفحة الطبيعة) هو بمعرض التحوّل والتغيير. أمّا البتّ في الأمر حسبما يقع ألبتة، فهو المثبت في اللّوح المحفوظ (علمه تعالى الأزلي).
قوله تعالى: «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ، وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ»[١] إشارة إلى هذين اللّوحين، فالمقدّر لظواهر الطبيعة- حسب مقتضياتها الذاتيّة- بمعرض من التحوّل والتغيير، فينمحي ويتغيّر عمّا قدّرته الطبيعة أحيانا بعروض الطوارئ. ويثبت على تقديره الأوّل، إن وافته الظروف.
ولكن البتّ بتحقّق هذا أو ذاك، فإنّما يعلمه تعالى في علمه الأزلي القديم.
وأمّا البداء للّه فمعناه: ظهور الشيء على صفحة الوجود، ظهورا غير مترقّب حسب طبعه الذاتي، لا في علمه تعالى القديم.
ومن ثَمّ فقد كان خافيا، سترته مجاري سنن الطبيعة في ظاهرها المألوف. وكانت مصادمة الطوارئ هي التي أظهرته على خلاف المجرى وعلى غير انتظار. فبدا للّه، أي حضر لديه تعالى بعد ذلك الكمون.
[١] - الرعد ٣٨: ١٣- ٣٩.