التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
عن قصد التمويه، لغرض تأويله إلى أهداف باطلة، ذريعة إلى تشويه الحقيقة، وهم أهل الزيغ والانحراف ممّن يبغي الفساد بين العباد، وفرقة ثالثة- هم الراسخون في العلم المؤمنون حقّا- يقفون عند المتشابه يتأمّلونه بدقيق النظر، ولسان حالهم: أنّ هذا المتشابه كأخيه المحكم- صادر عن مقام الحكمة تعالى وتقدّس، فلابدّ أنّ وراء ظاهره المتشابه حقيقة راهنة تكون هي المقصودة بالذات، وهذه الفكرة عن المتشابه هي التي تدعو المؤمنين حقّا الراسخين في العلم إلى البحث والتحقيق عن تخريجه الصحيح.
والباحث الصادق- أمام المتشابه- لايضطرب اضطراب الجاهل الذي وضع إيمانه على حرف «فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ»[١] ولا يتروّغ مراوغة المعاند الغاشم، ليجعل من المتشابه ذريعة للعبث والفساد فيالأرض «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ».[٢] وإنّما يقف عنده وقفة المتأمّل الفاحص عن جلي الأمر. ولا شكّ أنّه سوف يحتضن مطلوبه بفضل استقامته وثباته على إيمانه الصادق، وقد جرت سنّة اللّه في خلقه: أنّ من جدّ وجد ومن لجّ ولج. قال تعالى: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ».[٣]
والخلاصة: أنّ الراسخين في العلم، بفضل ثباتهم على العقيدة الصادقة، سوف يهتدون إلى معرفة تأويل المتشابه كما أراده اللّه، ويكون قولهم: «آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» تمهيدا لطلب الحقيقة، ونقطة باعثة نحو البحث عن طرق التحقيق والفحص.
وهكذا قال الشيخ محمد عبده: وأمّا دلالة قولهم: «آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» على التسليم المحض، فهو لا ينافي العلم، فإنّهم إنّما سلّموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم، لعلمهم باتفاقه مع المحكم، فهم لرسوخهم في العلم و وقوفهم على حقّ اليقين، لا يضطربون ولا يتزعزعون، بل يؤمنون بهذا وبذاك على حدّ سواء، لأنّ كلًاّ منهما من عند اللّه ربّنا، ولا غرو، فالجاهل فياضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم. ومن اطلع على
[١] - الحج ١١: ٢٢.
[٢] - آلعمران ٧: ٣.
[٣] - العنكبوت ٦٩: ٢٩.