التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٩ - التكفير بين العموم والخصوص!
ذهبت بها.[١]
وهذا الذي ذكره الشيخ أخيرا يصلح وجها ثالثا لتفسير الآية الكريمة ليصير معنى الآية- واللّه العالم-: أنّ المواظبة على الأعمال الصالحة وإتيان الخيرات والرغبة في الحسنات، لممّا يزيد في التوفيق ويبعث على ترك السيّئات واجتناب الشرور والمفاسد طبعا، إذ كلّما ازدادت رغبة الإنسان في جهة ازداد بعدا عن جهة اخرى مخالفة لها.
والنفس البشرية سريعة التعوّد على الوضع الذي أنست به، والطريقة التي سلكته في الحياة إمّا صلاحا أو فسادا.
فالإنسان الذي يزاول أعماله في جوّ صالح تراه لايفكّر إلّا في خير، ولا يستطيع ارتكاب شرور حسبما ألفه من صلاح. وهكذا العكس، الذي يزاول أعماله في جوّ فاسد لايفكّر إلّا في شرور وآثام. وهي طبيعة ثانوية للإنسان تحصل على أثر المرونة والإلف.
وعليه فقوله تعالى: «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» يعني: أنّ مرتكب الحسنات المتعوّد عليها، لتبلغ به عادته تلك الحسنة، إلى حيث تذهب عن حياته السيّئات فلا يرتكبها بحسب ذاته واعتياده على الصلاح، فيالها من عادة حسنة ونعمت!
قلت: وإنّ في الصلاة- خصوصها- لأثرا تربويا نفسيا ليس في سائر العبادات. إنّها تجسيد لمقام العبودية تجاه المعبود العظيم. إنّ العبد إذا وقف بين يدى مولاه في الصلاة، ليشعر بضآلة موقفه تجاه ربّ العالمين، يرى من نفسه ذلك المحتاج الفقير العاجز الحقير، واقفا بين يدي مولاه الغنيّ المقتدر العظيم، ضارعا إليه خاشعا متواضعا، سائلًا راغبا، طالبا عنايته ورأفته ورحمته.
ومن أمعن النظر في مقاطع سورة الفاتحة وسائر أفعال الصلاة وأذكارها ليتجلّى له هذا الموقف الخطير وتلك الصلة الوثيقة التي تربط العبد المؤمن إلى مولاه الكريم. ومن ثمّ كانت الصلاة معراج المؤمن.
والعبد المؤمن إذا كان يعاهد مولاه كلّ يوم خمس مرّات في تلك الخشية والخضوع،
[١] - التبيان، ج ٦، ص ٨٠.