التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٧ - التكفير بين العموم والخصوص!
واليك من الآيات ماتعرّضت لظاهرة التكفير:
١- قال تعالى: «وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ».[١]
وربما تواترت الروايات بشأن الصلوات الخمس، إذا قام المسلم فتوضّأ فأحسن الوضوء ثمّ صلّى الصلوات الخمس، تحاتت خطاياه كما يتحات الورق من الغصن اليابس.[٢]
ولنتساءل: هل هذا عام يشمل النادم والمصرّ؟ أو الكبائر كلّها؟ فليرتكب أصحاب الجرائم والكبائر مابدا لهم من ذنوب وآثام، ولا مبالاة، فإنّ صلاة واحدة من الصلوات الخمس تذهب بالسيّئات كلّها، فليصلّها ثمّ يعود إلى جناياته وهكذا يذنب الذنوب العظام ويعقّبها بصلاة لتكون كفّارة عن ذنوبه كلّها ومطهّرة له من الآثام، حتى ولو كان بانيا على العود والاقتراف على الاستمرار!؟
فالصحيح في تفسير الآية أحد وجهين:
الأوّل: اختصاص ذلك بالصغائر، الأمر الذي نلتزم فيه بالتكفير خاصّا به. فالصغائر- وهي الذنوب المغفول عنها غالبيا-[٣] مغفورة على شريطة الإيفاء بالصلوات الخمس
[١] - هود ١١٤: ١١.
[٢] - انظر: مجمع البيان، ج ٥، ص ٢٠١؛ وتحاتّ الورق من الشجر- بتشديد التاء-: تناثر وتساقط.
[٣] - اختلفوا في تعيين الصغائر وتمييزها عن الكبائر، فقيل: ما أوعد اللّه عليه النار أو أوجب عليه حدّا، وقيل: كلّ ما نهى اللّه فهي كبيرة، لأنّ كبر الذنب إنّما هو بالقياس إلى عظم شأن المولى. وقيل ليس في الذنوب صغيرة إلّا بالقياس إلى أكبر منها، فبعضها أكبر وبعضها أصغر قياسا نسبيا لاحقيقيا. انظر: مجمع البيان، ج ٣، ص ٣٨. وهذا هو الصحيح في اختيارنا.
قال الإمام الصادق عليه السلام« الذنوب كلّها شديدة، وأشدّها مانبت عليه اللحم والدم» أي أصرّ عليها ولم يندم ولم يَرْعَوِ لفوره. الكافي، ج ٢، ص ٢٧٠؛ والبحار، ج ٧٣، ص ٣١٧. وراجع: الكافي، باب الكبائر، ج ٢، ص ٢٧٦- ٢٨٧؛ وباب استصغار الذنوب، ص ٢٨٧؛ وباب الإصرار على الذنب، ص ٢٨٨. وغيرها من أبواب مناسبة.
وعليه فالصغيرة عندنا هي الذنوب التي ترتكب عفوا وربما لاعن قصد إلى عصيان. لكن لابمثابة تكون عذرا. وذلك كأكثر مايبتلى به الناس في حياتهم اليومية، من دون مامبالاة بالتحفّظ، على حقوق معاشرة الإخوان، بتلك الدقّة التي عيّنها الإسلام، وما أشبه ذلك وقد تعرّضنا لهذه المسألة بتفصيل في تعليقنا على كتاب القضاء للمحقّق العراقي برقم ١٠ في الملحق، ص ٣٢٤.
قال الإمام الصادق عليه السلام:« لاصغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار». الكافي، ج ٢، ص ٢٨٨. اذ الصغيرة إنّما تقع من المؤمن المحافظ عفوا مرّة أو مرّتين. أمّا مع الإصرار فهي خطيئة كبيرة وربما ذهبت بالإيمان. راجع: الكافي، ج ٢، ص ٢٨٤- ٢٨٥.